يعانون «فوبيا» السباحة والطيران.. والعلاج بـ«داوني بالتي كانت هي الداء» الفتيات أكثر عرضة للإصابة بنسبة 72%.. واستشاري ينصح بـ«الإغراق»

القطيف: شروق الحواج

حين يحل الليل؛ تعيش وديعة محمد عبدالله السيهاتي، أوقات صعبة للغاية، فهذه الفتاة تنتظرها ساعات «شاقة» في عملها، فهي اختصاصية تمريض عمليات، ويجب أن تأخذ قسطاً وافراً من النوم قبلها.

لكن ذلك شبه مُحال، فهي تعاني من «فوبيا الظلام». لا تستطيع أن تنام الا بوجود أنوار. منذ أن كانت صغيرة يرعبها الظلام جداً، وتتجنب الأماكن المُظلمة.

تقول وديعة لـ«صُبرة»، «فوبيا الظلام متعبة جداً، والنوم في الأنوار متعب جداً أيضاً، والخوف من الظلام أصعب أنواع الفوبيا، إذ نحتاج إلى الاسترخاء وإغلاق الأنوار».

كبرت وديعة وكبرت معها «فوبيتها»، ولكنها لم تستلم لها، فهي علمت ابنائها الصغار «ألا يخافوا من الظلام، كي لا يسيطر عليهم مثل ما سيطر علي».

قد تسيطر «الفوبيا» على البعض، فيحاولون تجنب التعرض لعامل الخوف. هي عند البعض حدث معين مُؤلم، أو مُحزن تعرضوا له، وتأثروا به، وغالباً في سنوات الطفولة، سبب لهم حال «الفوبيا»، التي تلازمهم في مواقف معينة منذ الطفولة، وتجعلهم يشعرون بالرهبة والخوف الذي يستمر حتى الكبر. أحياناً يحاولون مواجهته في مواقف معينة، وأخرى يستسلمون له.

أعراض الفوبيا تختلف من شخص إلى آخر، ولكنها منتشرة أكثر بين الفتيات، بنسبة 72%.

الأماكن الضيقة

«الفوبيا» التي تهيمن على المصور إسماعيل هجلس، ويتجنبها هي الأماكن الصخرية الضيقة جداً، هناك يشعر بالاختناق، وكأنها ستنطبق عليَّه.

يقول هجلس «لديَّ هذه الفوبيا للأسف، وأنا اتجنب التعرض إلى مثل هذه المواقف، والتي تشعرني بالاختناق، خصوصاً أثناء جولاتي التوثيقية في مناطق المملكة، إذ أتجنبها قدر المستطاع، وذلك يجعلني أخلق أعذاراً واهية يعرفها من معي بأنها منطلقة من كوني لا أجرأ على دخول مثل الكهوف».

حين أغرقني أخي

الممرضة أحلام المرهون لديها «فوبيا السباحة»، أصيبت بها بسبب حدث ، ترويه «كان في أحد المسابح، وكانت في عمر خمس سنوات، برفقة أخي الذي كان يمازحني فأغرقني في المسبح».

هذه الحادثة تركت عند أحلام اثراً منذ طفولتها، وجعلتها تخاف من السباحة، ليس كل أنواع السباحة، فهي تقول «أمارسها في الأماكن الضحلة فقط».

المرهون تستحضر مقولة تُنسب لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «إذا هبتَ أمراً، فَقَعْ فيه؛ فإنّ شدّة توقّيه أعظمُ مما تخافُ منه»، مضيفة «هذا ما فعلته، بتعلم السباحة من خلال التدريب في أحد المراكز المتخصصة».

عمي أورثني «فوبيا الفقد»

تخاف كوثر العوامي، من رسائل الوفيات، تتحاشى حتى فتحها قبل معرفة المتوفى، تشعر بالخفقان، وارتفاع الحرارة وعدم السيطرة على مشاعرها، فهي مصابة بـ«فوبيا الفقد».

بدأت عندما فارق الحياة أول الفاقدين في حياتها، كانت في المرحلة المتوسطة بداية الثانوية، حين فقدت عمها. تأثرت جداً، لأنه كان بمثابة أبيها «الحنون»، ومنها بدأ الخوف يدب في عروقها.

تقول العوامي، «أخاف أن أسمع أن أحداً ممن أعرف قد توفى. وساءت حال الخوف عندي عندما فجعني الموت بفقد السند الأعظم؛ أبي هذا العام. والآن أشعر بالخوف والقلق وقلة النوم»، مضيفة «لا أحتمل أن يأخذ الموت شخصاً آخر مني».

ألم يومي

اكتشفت منيرة المرشود «فوبيتها» خلال عملها؛ فنية اشعة تشخيصية، عند رؤيتها صور أشعة «غير طبيعية»، مثل تشوهات خلقية، أو الأطفال المصابين بإعاقات، أو الأطراف الناقصة.

يحتم عليها عملها استقبال المرضى، لتصويرهم بالأشعة، وأثناء التصوير قد تصادف أشعة «غير طبيعية». تقول «حينها أشعر بألم في جسدي، والتنميل. وهذا يحدث يومياً تقريباً، وأعاني منه. وأتمنى التغلب على هذا الخوف».

فاطمة تغلبت على «فوبيتها»

وإذا كان المتحدثون السابقون يعيشون «فوبيتهم»؛ فإن الدكتورة فاطمة البخيت تغلبت على «فوبيتها»، وهي الطيران.

بدأت عندما كانت مسافرة في رحلة مع أهلها، حين تعرضت الطائرة إلى مطبات هوائية قوية جداً، كادت تسقط بهم، لولا لطف الله ورحمته.

تروي الدكتورة فاطمة كيف تغلبت على معاناتها «في عام 2015 قررت السفر مع طفلي الرضيع إلى أميركا، عندما كان زوجي طالباً هناك. كانت مدة الطيران 14 ساعة. استطعت من خلالها نزع الخوف من قلبي. وبفضل الله تغلبت على هذه الفوبيا، والحمد لله».

«فوبيا» المشاهير

لا أحد يملك حصانة من «الفوبيا»، مهما كانت أجناسهم، وأديانهم ومهنهم، حتى المشاهير عرضة لها. ويروون ذلك في وسائل الإعلام. فالممثل الكويتي حسين المنصور مصاب بـ«فوبيا ركوب الطائرة»، إلا أنه يجد في قراءة القرآن عِلاجاً لها.

وعندما يعلمَ المنصور أن مسلسله سيتمّ تصويره في دولة عربية أو أوروبيةٍ، يكون شرطه الوحيد ألا يركب الطائرة كثيراً، بسبب خوفه من وجوده داخلها لساعاتٍ طويلة.

«فوبيا الطيران» تمنع أيضاً لاعب كرة القدم علاء الدين بابكر من الاحتراف خارج السودان. كما تعرَّض إلى الكثير من المشكلات، لتخلّفه عن مُرافقة ناديه؛ الهلال في مُبارياته الخارجية، رغم الحاجة الماسَّة له. ما سبب له الإحباط، فهو تلقى عروضاً من عددٍ من الأندية خارج السودان، لتميَّزه بالبُنية الجسمانية الجيِّدة، والمهارات العالية.

الفنان المصري الشهير محمد هنيدي يعاني منذ الصغر، من «فوبيا الأماكن المرتفعة»، ولم يستطع التخلص من هذه المشكلة.

وعن كيفية أدائه بعض المشاهد التمثيلية في الأماكن المرتفعة؛ يقول هنيدي «إن صراخي في فيلم يوجد به ارتفاعات يكون حقيقياً وطبيعياً؛ لأنني أشعر بالخوف بالفعل، ولم يكن بوسعي أن أتخلى عن المشهد، نظراً لأهميته في سياق الحدث الدرامي».

 

أسعد النمر.

«الفوبيا» اضراب قلق

يعرف الاختصاصي في علم النفس أسعد النمر، الرّهاب، أو الفوبيا Phobia))، بأنه أحد اضطرابات القلق، مبيناً أنه مصطلح يتداوله غالباً الأطباء، والمعالجون النفسيون لوصف الأشخاص القلقين الذين يعانون من خوف موقفي غير منطقي شديد من أمر محدد في البيئة المحيطة.

يقول النمر لـ«صُبرة» «تصنّف رابطة الطب النفسي الأميركية (APA) في دليلها التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، في إصداره الخامس الرُّهابَ إلى ثلاثة أنواع، منها رُهاب محدد، ويمكن ملاحظة هذا النوع من الرُّهاب لدى أشخاص يخافون بشدة من – مثلاً – الكلاب، أو الفئران، أو العناكب، أو الأماكن الضيقة، أو المرتفعة، أو ركوب الطائرة».

النوع الثاني من الرهاب هو الاجتماعي، الذي يُسمى أيضاً قلق اجتماعي، موضحاً أنه «الخوف المبالغ فيه، وغير المبرر من المواقف الاجتماعية، ومنها حضور التجمعات أو المناسبات الاجتماعية، أو التحدّث أمام جمهور، أو لقاء أفراد غرباء». يضيف «رغم أن لهذا الرّهاب خصائص انفعالية وسلوكية تماثل ما لدى الخجولين، إلا أن هناك بعض التمايز بينهما، فالأفراد الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي تبدو أعراضهم أشد، ونوعية حياتهم أقل جودة من الخجولين. كذلك يعتبر الخجل سمة شخصية، فالخجولون غالباً يعيشون حياة طبيعية، وليس بالضرورة أن يؤدي بهم خجلهم للرهاب الاجتماعي، أما الرّهابيون اجتماعياً فخجولون غالباً».

الرهاب الثالث – بحسب الاختصاصي أسعد النمر – هو «رُهاب الأماكن المتسعة»، يقول «إن هذا خوف شديد، أو هلع غير منطقي من العجز عن الهروب، من موقف حينما يكون المرء – مثلاً – واقفاً في الصف لقطع تذاكر، أو يوجد في مكان مزدحم بالناس، أو في الحافلة أو القطار، وقد يصاحب هذا الرهاب اضطراب هلعاً أو لا يصاحبه، حيث يتحدد هذا بالتشخيص السيكولوجي الاكلينيكي».

علاج الرهاب

يضع أسعد خطوتين للتعامل مع الرّهاب، أولاهما «تشخيص الرُّهاب بطريقة صحيحة، من خلال تحديد نوع الرهاب وفق معايير بعينها من قبيل تحديد استجابة الخوف غير المنطقي، أو المفرط من شيء، أو موقف ما، وتحديد ما إذا كان الخوف يتناسب مع طبيعة الخطر الفعلي، أو السبب البيئي للرُّهاب، وتحديد مدى سرعة رد الفعل الرّهابي على الشيء أو الموقف».

ويشير إلى أن هناك ثلاثة أمور يجب أخذها في الاعتبار في التشخيص ألا يتم تشخيص الرهاب إلا إذا كان له تأثير كبير في حياة المريض بطريقة ما، وبعض الرُّهابيين القابلين للتشخيص اكلينيكياً قادرون على تحمل الموقف المـُفزع. ومع ذلك، فإن محاولاتهم لتجنب هذا الموقف تعتبر معياراً مهماً لتشخيص الرهاب . يميل الرهابيون للتفكير بإفراط في احتمالية حدوث ما يُفزعهم مستقبلاً.

التخلص من «الفوبيا»

ويرى النمر، أن علاج الرهاب يمكن من خلال تقنيات علاجية سيكولوجية، أو أدوية، أو مزيج من الاثنين معاً، فالعلاج السيكولوجي(السلوكي) (CBT) Cognitive – behavioral therapy.  هو طريقة علاجية تُعد الأكثر استخداماً لعلاج الرّهابيين. وهناك طرق علاجية نفسية أخرى أيضاً.

ويرى أن هذا العلاج يحاول السيطرة على الجوانب الفسيولوجية المصاحبة لمشاعر الخوف الشديد، ومنها تسارع نبض القلب، والتعرّق المفرط، من خلال الاسترخاء. إذ يمكن تعرض المريض تدريجاً لمثير خوفه، بعد أن يكون قد تعلم مهارة الاسترخاء بكفاءة.

أما الجانب المعرفي في العلاج؛ فيعمل المعالج على تحديد وتغيير الأفكار السلبية، والمعتقدات المختلة، وردود الفعل السلبية على حالة الرهاب. ويضيف النمر «تستخدم تقنيات العلاج المعرفي السلوكي الجديدة تقنية الواقع الافتراضي لتعريف الناس بمصادر الرهاب بأمان، وفي كثير من الأحيان، يكون الجمع بين الأدوية والعلاج السيكولوجي الأكثر فائدة».

الدواء بالداء

يرى استشاري الصحة النفسية الدكتور جمال فرويز، في لقاء إعلامي، أجري في وقت سابق، أنه توجد أنواع عدة من الرهاب النفسي، أو اضطراب الخوف، والذي يعتبر جزءاً من الوسواس القهري، ما يعني ردة فعل بخوف زائد تجاه موقف معين مضاعف عن رد فعل الشخص العادي.

يقول «إن تلك الحالات تكون نتيجة عملية مباشرة أو احلالية، ما يعني تعرض الشخص بنفسه إلى واقعة مؤلمة سببت خوفه من شيء معين. وفي بعض الأحيان رؤيته لوقائع مع أشخاص آخرين، ما يظل مرتبطاً في ذهنه ويسبب له ألماً نفسياً».

يعتبر فرويز، أن «الفوبيا» من أكثر الأمراض النفسية انتشارًا. ويتم تجاوز الرهاب النفسي بطريقتين، أولهما العلاج السلوكي نفسياً، والثاني أدوية الوسواس القهري، إذا ارتبطت بأفكار متكررة وتوهمات مرضية.

ويوضح أن العلاج يختلف من شخص إلى آخر، حسب نوع «الفوبيا»، وهو نوعان تناول أدوية مع التعرض تدريجيًا لمسبب «الفوبيا»، أو العلاج بالإغراق، مُستدركاً بأن هذا النوع من العلاج «يحتاج إلى مجهود كبير من الطبيب، والذى يجب أن يكون على خبرة كافية للتعامل مع أعراض «الفوبيا»، بحسب قوله.

 

ختاماً؛ ما هي «فوبيتك» إيها القارئ؟

وهل ستعالجها بشطر بيت الشاعر ابن الرومي «وداوني بالتي كانت هي الداء»؟

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×