[11] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{وَقالَ اركبُوا فيها بِسمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إنَّ ربي لغفورٌ رحيمٌ} هود/41:

تحكي الآية الكريمة مشهد النجاة للفئة المؤمنة ونبيها نوح عليه السلام، ساعة أن حقّ هلاك الضالين بعد جحودهم ألف سنة إلا خمسين عاما. فكان أن جاء الأمر من عند الواحد القهار، أن يحمل نبيّ الله نوح ما شاء الله له من كلٍّ زوجين اثنين في فُلك النجاة بأمر الله، مع الفئة القليلة المؤمنة التي ذكر في التفاسير أنهم ثمانية أفراد على الأقل، وسبعة عشر على الأكثر.

والمشهد الآن في هول كبير، ونوح عليه السلام يقول : (اركبوا فيها). والركوب هو العلو على ظهر الشيء، ويقال لمُعتلي السفينة راكبا، والرّكبان والرّكب من ركب الدواب والإبل. وهو فعل مُتعدٍّ لمفعوله مباشرة، فيكون التقدير: اركب السفينة أو اركبوها. لكنه جاء هنا مَتلوًّا بحرف الجر في، وهي زائدة على قول، وتفيد تقديرا هنا: كونوا في جوف السفينة أو اركبوا الماء في السفينة. وهنا لطيفة؛ فمجئ في دلّ على أنّ المركب بتصميم هندسي يناسب المهمة التي صنع لأجلها. ويؤيد ذلك السياق في الآية السابقة، حيث استعمل كلمة الفلك في ذكر السفينة: (ويصنعُ الفلكَ وكلّما مرّ عليه ملأ مِن قومهِ سخروا منه). وهنالك فرق بين الفلك والسفينة في الدلالة؛ فالسفينة هي من السّفْن أي التقشير، حيث يعنى بها الخشب الذي يقشَّر ألواحا ليستوي على ظهر السفينة. بينما الفلك هي كل شيء مستدير. والسفينة الضخمة التي يكون حملها في بطنها ركوبا تسمى بالفلك، فتكون ذات حمولة مخبأة. وهذا الوصف أكثر اتساقا مع حال مشهد الغرق وسفينة النجاة. فالغرق واقع لكل شيء حولها، والماء مسكوب من السماء متفجّر من كل الأرض، والموج كالجبال، ممّايعني الحاجة إلى الإشارة لصفة الحماية المتوفرة في الفلك لا الاستواء على سطحها، مع التدليل على قدرتها على الأداء التام لمهمة النجاة. من جهة ثانية؛ وفي محيط الاسمين: الفلك والسفينة، تجد العرب تسِم الناقة بأنها سفينة الصحراء وليست فلك الصحراء، فهي هنا تشير لمهمة استواء الهودج أو الركبان عليها، وليس مهمة حمل شيء في جوفها. فيكون التمام في بلاغة الاختيار جليّ لعين المتأمّل في الآية الكريمة.

وتباعا لذلك، جاءت حركة الفلك مناسبة تماما لشكلها وتركيبها، الحركة التي عبّرت عنها الآية ب (مَجراها ومُرساها). وفي هاتين اللفظتين عميق دلالة. إذ تمتشق كلمة ( مجراها) حكم الإمالة بعد حرف الراء المفتوحة، فتكون ألفها منطوقة بين الألف والياء، منفردة بحكم صوتي وحيد في رواية حفص عن عاصم كما ثبت عند القرّاء. وبالتالي، تأتي الكلمة محتمِلة معنى ميل الفلك المستديرة في حركتها الصوتية وحركتها الدلالية في مشهد انطلاقها وسط الماء. فتتوافق القراءة مع الدلالة. وهذا الانسجام والتوافق يتجلّى عندما نعلم بأنّ الإمالة في تعريفها لغة: هي ميلان وميل بالتحريك، وهي اصطلاحا: أن تنحو بالألف نحو الياء، وبالفتحة نحو الكسرة. فتكون حال نطقها في انسجامية صوتية حركية بين فتح وتفخيم أصيل، وبين ظاهرة صوتية طرأت عليه. والعرب في لسان بعض قبائلها الإمالة؛ كتميم وأسد وقيس وعامة قبائل نجد، بيد أنّ قبائل الحجاز لا تميل إلا قليلا. وما ذلك إلا اختلاف في اللهجات العربية، وهو باب للدرس الصوتي والنحوي اتصل بعلم القراءات القرآنية صلة العين بالنور.

وبالعودة إلى أصل الكلمة (مجرى) تجدها تدور في معظم دلالاتها بين قطبي الاستدارة ودوام الحركة. ولذلك سمّيت السفينة بالجارية، وما استدار من الثمر، والجريان سمة للماء ونحوه، والشمس جارية لحركتها الدؤوب بين الأقطار، والريح جارية لتحركها وتحريكها. وجاراه في الحديث تحرّك معه ووافقه الرأي بعد اختلاف. والمجاري أواخر الكلمات لجريان الصوت وتغير حركة الإعراب فيها، والجارية الفتيّة من النساء البيّنة الحركة. كل ذلك وغيره ينقل إليك فُلكا مستديرة منتفخة بالحمل تدور في حركتها. وتمال بصوتها تأكيدا على دوام الحركة وعدم ثباتها في الهائل من الماء.

أمّا (مُرساها) فقد جاءت بلا إمالة، بل تامة التفخيم ثابتة الفتح، وهذا آكد للمعنى الذي ثبتت عليه. فالكلمة من رسا، أي ثبت، ورست السفينة: بلغ أسفلها القعر وانتهى إلى قرار الماء فثبتت. والمرساة هو أنْجَرُ السفينة، يكون ضخما مشدودا بحبال لتثبيتها. وإذا ثبتت السحابة في مكان بمطر ألقت مراسيها، والبعير من الفحل يرسو بشَوَّله اللاقح من النوق، أي يقع عليها فيثبتها، وراسى فلانا فلانا إذا سابحه. وبذلك تكون مرساها قائمة في دلالتها بين وتدين: الثبوت بفعل فاعل، والبقاء في الماء. يعني بقاء وثبوت في وسط مائي. وهذا منتظم تماما مع معنى (مُرساها). حيث لا ميلان ولا حراك للفلك حين أذن الله بمرساها بعد كل تلك الحركة والدوران. لكنها لازالت تلامس الماء، الذي استمر على رواية من رجب حتى رسوّها في عاشوراء. وهذا دقيقُ تصوير فريد في كتاب الله. خاصة لو عرفت بأنّ (مَجراها ومُرساها) كما جاء في التهذيب: قد أجمع القرّاء على ضم الميم في مرساها واختلفوا في مجراها. والمعنى بذلك يختلف؛ فبضم الميم تكون من الفعل غير الثلاثي أجرى وأرسى؛ أي حصول ذلك من الله -سبحانه وبحمده – مباشرة الذي أجراها وأرساها. وبفتحها في مجراها يكون حصول الجريان في الآية معلول بالماء وارتفاعه، وكله بأمره تعالى. والكلمتان دلتا على الزمان على قول. فيكون (بسم الله) وقت جريانها وإرسائها. أو المكان فيكون (بسم الله) مكان جريانها وإرسائها. أو المصدر لفعل الجري والإرساء. وفي كلها تكون (بسم الله) أي ببركة الله أو بقول بسم الله تبركا عند حصول الأمر.

وأختم، إنّ في تركيب الآية عظيم دلالة لموقف النبي نوح عليه السلام، وعزمه وتوكله على الله. فلو أنك قرأت متوقفا عند (فيها) مبتدئا ب (بسم الله مجراها ومرساها) لكان المقام لنوح مقام فِكر؛ إذ هو يتفكر بأن الله باسمه العظيم هو من ينجينا وبقوته يرسيها. ولو قرأت متصلا لقوله عليه السلام متمًّا دون انقطاع، لبدا النبي نوح في مقام ذكر، إذ يكون فعل الركوب مقرونا بذكر الله متبركا به. وبين المقامين يكون عين اليقين بالنجاة توكلا على الله. فهو (الغفور الرحيم) الذي نجّانا ممتنًّا علينا بنعمة حفظه وسط هذا الهلاك الكبير. ومن الجدير بالذكر أنّ قصة الطوفان في القرآن الكريم بتفصيلها ودقتها تدفع كل خلط مبثوث حول هذه القصة في المدونات البشرية القديمة، فهي مما توارد في الذاكرة الجمعية البشرية من زمن السومريين، لكنها جاءت مختلطة بكثير من خيالات الناس وأساطيرهم وزياداتهم، ومكّن ذلك الخلط الشديد فيها مدونة الديانات الوثنية والسماوية الأخرى، وربطها بأساطير وصور وحكايات شكلت أنماطا بدئيةArchetype في الخيال الإنساني. ولهذا وجب التنبيه.

والله أعلم

______________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com