[9] قبس من سماء رمضان رسولٌ من أنفسكم

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 {لقدْ جاءَكُم رَسولٌ مِن أنْفُسِكُم عزيزٌ عليهِ ما عَنِتُّم حَريصٌ عليكُم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رَحيمٌ}. التوبة/128:

 اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. لمّا احتملت سورة التوبة جملة عظيمة من التكاليف والأحكام، فيها الشاقّ الذي يعوز من المؤمن صبرا وعزيمة وجهادا، وكان أن بلّغها سيدُ المرسلين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، جاءت خاتمة السورة الكريمة بهذه الآية العظيمة. وعظمتها في تضمنّها الوصف النبوي الكريم، الذي يعين على القيام بكل هذه التكاليف، ويخفّف من ثقلها على المؤمنين. فهو النبي الذي جاء (من أنفُسِكم): أي في بشريته صلى الله عليه وآله وصحبه، وفي كونه من العرب، ومن أهل الحرَم، ومن عشيرتكم التي عرفت طُهره وعفّته وصدقه وأمانته. فهو منكم، يحمل عنكم، ويشعر بكم، ولا يكلفكم إلا ما كان في طاقتكم. وفي قراءة لابن عباس (من أنفَسِكم) على صيغة أفعل التفضيل، فيكون من النفاسة أي الشرف، فهو من أشرفكم، فداه أبي وأمي.

وفي هذا، ثناء من الله الجليل على رسوله الكريم، وتسطير لعظيم مقامه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وعلى مكانته هذه عند ربه، وبين الخلائق، وبين قومه، تتجلّى الآية في سرد صفاته عليه الصلاة والسلام التي تكون البلسم الشافي، والدواء الكافي لكل خوف من مشقة تكليف، أو شقاء تقصير. فهو صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (عزيز عليه ماعنتّم).

والعزيز في العموم: الذي لا يُقهر ويَقهر، وهو الغالب المنيع. وفي سياق الآية هنا، تعني شديد في معزّته أن يصيبكم شيء من ضرر. وتأتي الصّفة المشبّهة (عزيز) لتدلّ على ثبوت الصفة في الذات النبوية الكريمة، صفة العزة والمنعة التي تركّبت في شخصه الكريم، فكان أن يعزّ ويصعب عليه مشقة تصيبكم. ومن العجيب أنّ من معاني العِزّ هو المطر الغزير، الذي لا يمنعه سهل ولا جبل. فكأنه عليه الصلاة والسلام الرحمة المتمثلة في المطر الذي ينزل على المؤمنين برحمته، حين يشق عليه ما قد يصيبهم من مشقة ما في حياتهم. (عزيز عليه ما عنتم) فتكون الصفة متصلة في تركيب تقديره في غير كلام الله: ما عنتم عزيز عليه. باعتبار ما الموصولية (الذي) واقعة في محل رفع مبتدإ مؤخر، وعزيز خبر مقدم.

وهذا التقديم والتأخير فيه توكيد عميق لعظيم محبة الرسول عليه الصلاة والسلام للمؤمنين، وعظيم موقفه تجاه ما قد يلاقيه المؤمنون. وهذا أكثر جلاء في مجئ (عنتم) صلة الموصول. فالعنَت هو دخول المشقة والشدة على الإنسان، وهو الهلاك. وفلان يتعنّت فلانا أي يشدّد عليه، والإعنات تكليف غير الطاقة. فكل مشقة يلقاها المؤمنون هي ما يعزّ على سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. بل إنّ العنت هو كما ورد في لسان العرب: كسر العظم بعد الجَبْر، وهو ما يكون في الألم أشد من أول الكسر. فانظر إلى دقة وصف التشدّد على الناس، فالله برحمته يسّر ووسّع، ثمّ بعث نبيه مبشّرا غير منفّر، فجبر كسر المساكين، والضعفاء، وجبر كسر الناس بالتوحيد بعد الشرك، والعزة بعبادة الله بعد مذلة الاستعباد من الناس. ثم يأتي من يشدّد على عباد الله، فيضيّق واسعا، ويعسّر يسيرا، فيكون كقاصم عظم مجبور، وينزل به على الناس شقاءً وتعسيرا.

فحال هذا موجب لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عليه: ” اللهم من وَليَ من أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشفق عليه، ومن وليَ من أمر أمتي فرفق بهم فارفق به” رواه مسلم.

وهكذا، تظهر الرحمة النبوية في صفة ثابتة غير طارئة، هي صفة الرفق بالمؤمنين وإن شقوا على أنفسهم أو شُقّ عليهم. وهو كذلك (حريص عليكم)، والحرص شدة إرادة الأمر، والحارصة سحابة تقشر الأرض بمطرها. وبالتالي، يكون صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يريد بنا خيرا أشد من إرادتنا ذلك بأنفسنا. وحرصه -فداه أبي وأمي- على المؤمنين في تبليغ الرسالة ابتداء، وأداء الأمانة، ومناصحة الأمة، وجهاده في الله حق جهاده.

ثم حرصه عليه الصلاة والسلام في مساندة المؤمنين حتى تمّ الأمر للتوحيد، واكتمل التنزيل بالتشريع، والسنة بالتفصيل، والصحابة بالاتباع والتطبيق. فكان في كل ذلك وأكثر (بالمؤمنين رؤوف رحيم) فجمع له الله بين صفتين :(رؤوف رحيم)، وتقدم (بالمؤمنين) لتكون مقصورة عليهم. والرؤوف هنا هو المشفق الراحم برقة، والرحيم الراحم بإنعام وتفضيل. فيكون في الأولى عليه الصلاة والسلام راحما بدفع الضرر عنهم، ويكون في الثانية راحما بجلب المنافع لهم. وهو في الصفتين كان مُعينا للمؤمنين في تحمّل التكليف، وفهم التنزيل.

فأيّ رحمة مهداة مُنحناها! وفائدة جليلة تظهر هنا، وهي في تطبيق الاقتداء بشخصه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في صفتي الرأفة والرحمة. فمن رحمتنا بأنفسنا أولا بعدم تكليفها ما لا تطيق من حزن وغم أو شقاء عمل، ومن رأفة بمن حولنا من إماء وعباد الله بعدم تضييق حياتهم بتشدد وتعنت في سفاسف الأمور، أو حتى عظيمها. بل حتى فيما حولنا من خلق الله الآخر من شجر ووبر وطير وحيوان. كل ذلك قائم في يومياتنا البسيطة، وفيما نتولاه من أمرنا وأمر غيرنا مهما كان في ظاهره بسيطا. وما أعظم قصص الرحمة النبوية التي حق علينا أن تكون لنا نبراسا يذكر قلوبنا كلما غشيتها قسوة الإسمنت، وصلابة العُملة، وجلافة السعي للحياة.

صلوا على كامل النور

والله أعلم

 

————-

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com