لبناني “يضرب” الهريسة.. و “يزبّط” العصيدة.. ويستبدل “اليخنة” بـ “الصالونة” عمل في مطاعم إيطالية وفرنسية وآسيوية.. قبل أن يعرف "الكرورو"..!

اكتشف مطبخ القطيف في المهرجانات.. وانضم إلى فريق توثيق الطبخات

القطيف: صُبرة

يحدث في شهر رمضان كثيراً؛ يُفطر إبراهيم ياسين في بيت أهل زوجته القطيفية بـ “اللقيمات”، فيما تُفطر زوجته رباب إسماعيل في بيت أهله اللبنانيين بـ “المناقيش”. هو عند “حماته”، وهي عند “عمّتها”. ثقافتان تتداخلان بين زوجين جاء كلٌّ منهما من بيئة تختلف عن الأخرى. هو جاء من كروم الزيتون و “اليخنة” و “الكبة” و “التبّولة”، وهي جاءت من بساتين النخيل و “الصالونة” و “تحت القدر” و “الزلاطة”..!

ثقافة “ضَيعة” لبنانية تقاطعت وثقافة “قرية” سعودية، فأنجب الزوجان “دانيال” ذا الـ 8 سنوت، و “مارسيل” ابن الرابعة. ومن أجل المستقبل؛ تعيش الزوجة في لبنان من أجل “الدكتوراه”، برفقة الطفلين، ويعيش الزوج بين الخبر والقطيف من أجل العمل في إحدى شركات القطاع الخاص.

 ضرب الهريس

لكنّ القصة ليست هنا. القصة في المطبخ، في “ضرب” الهريس، و “تزبيط” العصيد، و “حمصة الربيان”، و “مرقة السمك”، و “صالونة اللحم”، وعشراتٍ من الطبخات القطيفية الموغلة في شعبيتها. في غضون 5 سنوات من إقامته في السعودية؛ صنع اللبناني إبراهيم ياسين لنفسه وجهاً “قطيفياً” مألوفاً في المناسبات العامة والفعّاليات المفتوحة على الفلكلور. حتى ظهر، مرّاتٍ عديدة، بلباس “البحّارة” و “النخالْوَهْ”، مرتدياً الـ “أوزار” و “الفانيلهْ” البيضاء، متعمّماً بغترة..!

ووصل اندماجه ذروته؛ بانضمامه إلى فريق طبخ، ليُشارك في توثيق “المطبخ القطيفي” الذي ينفذه الطبّاخ فاضل بريه “أبو أميرة السنابسي”، وتصوّه الفوتوغرافية علا الضامن، ويُموّله رجل الأعمال سعيد الخباز. وفي ليالٍ كثيرة؛ لبس إبراهيم “المريلة” ليُراقب ويشارك في الإعداد والتجهيز والطبخ.. وهذه هي القصة..!

مطابخ غربية

يقول إبراهيم ياسين عن نفسه “اسمي ابراهيم ياسين متزوج من الشاعرة رباب إسماعيل، ولدينا طفلان. أقمنا في لبنان 5 سنوات. وكنت أعمل بمهنة طاهٍ وإداري في عدة مطاعم، فرنسية، ايطالية، آسيوية ولبنانية. ثم انتقلنا الى السعودية في صيف ٢٠١٣، لأعمل مبيعات شركة مواد غذائية مركزها في الرياض. وكانت الخطة ان يكون السكن في القطيف بشكل مؤقت ليتسنى لنا قضاء وقت كاف بالقرب من أهل رباب. ومع الوقت وبحكم وجودي في المنطقة كونت صداقات من مختلف الاهتمامات، ومن هذه الصداقات وصلني رابط للتسجيل كمتطوع في مهرجان النخلة في القديح سنة ٢٠١٤. بادرت بالتسجيل متردداً، بسبب احتمال عدم قبولي لاختلاف جنسيتي، ولكن فاجأني اتصال من حسين الربح بترحيبه، وهكذا التقيت أصدقاء جدد من المهتمين بالأرض والنخل والزراعة، وهو الشغف الذي كان لدي في موطني وتعلقي بالأرض والزيتون وحنيني ذاك الوقت خاصة بعد غياب أكثر من عام عن لبنان”.

 من المهد

يضيف إبراهيم “من هنا صار الاهتمام بالمهرجانات في المنطقة وتعرّفي على النخل وطريقة عيش الأجداد وثقافة اهل البلد عن قرب. لمست ذلك في مهرجانات كثيرة، من “النخلة”، “لملوم”، “الدوخلة”، و “واحتنا فرحانة”. حيث كانت الرغبة انطلاقا من تعلّق زوجتي وأهلها بكل ما يتعلّق بالقطيف والأرض، خاصة  أن المرحوم عمّي يوسف اسماعيل كان قد قضى عمره ملتصقا بالأرض ووفيا لها، وهذا التعلّق الذي أحببنا ان نخلقه في أولادنا كما زرعه أهلنا في نفوسنا. وقد لفت نظري تعلق أهل القطيف بالنخلة إلى درجة الاستفادة منها في جميع مراحل حياة الانسان (من المهد الى اللحد)”.

 وماذا عن مطبخ القطيف..؟

يقول إبراهيم “بدأت التعرف على الاكلات القطيفية من عمّتي، وكان برنامجها في الاكل لافتاً. يوم طبخة سمك أو ربيان ويوم لحم او دجاج. وأكثر الأكلات اللي أحبها هي المعروفة بـ “تحت القدر”، وهي تُعد بالسمك أو اللحم أو الدجاج أو الربيان”. يضيف “ذات مرة؛ زارني أخي وأصدقاء له وكانوا آتين من الرياض. وليومنا هذا ما زالوا يتذكرون طبخة تحت (الطنجرة) كما يسمّيها أخي.

واذا اردنا المقاربة بين بعض الأكلات اللبنانية والقطيفية، فإنه يمكن الحديث عن تشابه بين “الصالونة” القطيفية و “اليخنة اللبنانية”، كلتاهما تحتوي على مرق الطماطم وتُقدم مع الأرز، طبعاً مع اختلاف البهارات المستخدمة، وغالبا استخدام بعض المكونات كالفاصولياء والبازيللا”.

 في الدوخلة

“وضمن زيارتي الأولى لمهرجان “الدوخلة” استوقفتني القهوة الشعبية بكل تفاصيلها وجمالها، كما استوقفني استقبال “أبو أميرة”، وكان حينها المسؤول عن ضيافة المشروبات في القهوة وتعارفنا وتحدثنا طويلاً.. حتى طردونا بسبب إغلاق المهرجان ليلا.

وحين أطلق “أبو أميرة” مبادرة “تحدي الطبخ” مع رجل الأعمال سعيد الخباز عبر الفيس بوك، اختاروني ضمن لجنة التحكيم، حيث كانت أول مشاركة لي معهم في عمل مشترك.

عصيدة “أبو أميرة”

وبعد مدة لفتني ان طبق العصيدة كان حاضرا بشكل قوي في يوميات “أبو اميرة”، وكان المحيطون به يطالبونه بنصيبهم من العصيدة، فأعلن مازحاً، بأن تلبية طلبات الأصدقاء من العصيدة تحتاج الى مهرجان. وفي لقاء معه على فنجان قهوة كنت أسأله عن محتوى العصيدة وكيفية طبخها، فاقترحت عليه إقامة المهرجان في نفس الأسبوع وبشكل جدّي هذه المرة. وأخبرته بأنني سأكون معه قلباً وقالباً، في كل ما يحتاجه لنجاح المهرجان.

الموضوع ذكّرني بجوهر عملي في لبنان في إدارة العزائم وتقديم الطعام لعدد كبير من الناس. ومن هنا بدأت فكرة العصيدة وتكوّن فريق جميل الروح، وتجنباً لنسيان أحد لم أذكر الأسماء. كان هم الفريق أن يقدم البسمة والفرح في كل “لمّة” من دون تلكؤ. بدأنا في كورنيش القطيف، أسابيع طويلة، قبل أن ننتقل ـ بسبب بعض الظروف ـ إلى مجمع “سيتي مول”، وفي المهرجانات. وكنا نفكّر في نقلها إلى دول خليجية. وكان “أبو أميرة” يمازحني دائماً بقوله إنه سوف يصل بالعصيدة الى قصر “بعبدا”.. مقر الرئاسة اللبنانية.

 توثيق الطبخ

وجاء مشروع المطبخ الشعبي الحالي، كجزء من حلم قديم لـ “أبو أميرة” لتنتشر الاكلات الشعبية، ويكون لها حضور أوسع، خاصة لدى المغتربين ضمن برنامج الابتعاث، وذلك من كثرة الاستفسارات التي تأتيه والأسئلة عن كيفية إعداد الاكلات الشعبية.

وقد تم الاتفاق على البدء بهذه الخطوة قبل فترة وجيزة بدعم كامل من رجل الاعمال سعيد الخباز. وقد بدأنا العمل ولا شكّ في أن المكمّل الرئيسي لهذا المشروع هو الإبداع في الصور التي ترونها من المصورة علا الضامن المتخصصة في تصوير الأطعمة”.

بين مطبخين

ويقارن إبراهيم ياسين بين المطبخين اللبناني والقطيفي بقوه “كما أن اعتماد العيش “الرز” كمكون رئيسي على السفرة القطيفية؛ فإن السفرة اللبنانية تعتمد على الخبز في اغلب الأكلات، ويأتي الاعتماد على الأرز “العيش” بشكل ثانوي. بالإضافة الى أن المطبخ اللبناني يعتمد على إنتاج الأرض والزرع بشكل موسمي، وهذا ما يشبه الى حد معيّن اعتماد المطبخ القطيفي على توافر الرزق البحري المختلف مع اختلاف المواسم.

واذا تطرقنا الى المنكهات او المطيبات، ففي لبنان يكون الاعتماد على اصل النكهات الطبيعية اكثر بكثير من الاعتماد على البهارات المجففة، مثل استخدام اوراق النعناع والكزبرة الخضراء وأيضا الثوم الطازج، وورق الغار. ويكون استخدام البهارات قليلاً ومحدوداً في أغلب الطبخات.

 بحكم اقامتي في القطيف ومشاهدة عمتي وكيفية طبخها، او ابنتها أم فاطمة (وردة)، وصداقتي القوية مع “أبو أميرة” ومع خبرتي كطاهٍ، استطعت الاطلاع على اسس الطبخ الشعبي في القطيف، وأصبح من الممكن إعداد بعض الأكلات، خاصة “الصالونة”، إلا انني أتجه غالباً إلى الأكلات الغربية التي كانت محور عملي بشكل اداري في لبنان، إضافة إلى إعداد الـ “مينيوهات” وإضافة الأفكار للمطبخ الغربي”.

عصيدة وكبدة نيئة

بشكل عام، قضيت حتى الان خمس سنوات في القطيف وقد تأقلمت كثيراً مع أهلها. لم أشعر يوماً بالغربة الذي يرافق الشباب اللبناني في بلاد الاغتراب، واستطعت ان أكون جزءاً من هذا المجتمع بتفاصيله الاجتماعية والحياتية. ومؤخراً اتخذنا قراراً أنا وعائلتي الصغيرة، وهو أن أكمل إقامتي في السعودية بينما يتابع الأولاد دراستهم في لبنان، وليتسنى لرباب إكمال دراسة الدكتوراه. وهذا ما قلب الادوار بيني وبينها، حيث أنني اللبناني المقيم في السعودية متاثراً باجواء القطيف وبيئتها، بينما تسكن رباب مع الأولاد في لبنان متعايشين مع الفصول الأربعة بشكل سنوي، مستمتعين بترويقة “المناقيش” واللبنة البلدية مع زيت الزيتون والزعتر الجبلي بشكل يومي. وقد يأتي اليوم الذي أفطر فيه بطبق العصيدة من يد “أبو أميرة” بينما تطلب رباب لفطورها الصباحي الكنافة او كبدة غنم نيئة وهي الترويقة الأكثر شيوعاً لدى اللبنانيين”.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com