الجنبي يغزو “البحارنة” ويُحاضر عن “نبتة الخُلْد” في جزيرة اللؤلؤ حبيبات الشعراء "دُرر".. وفكرة الخلود مستمرة منذ أسطورة جلجامش

3 مضامين في الشعر العربي: عمق مكان اللؤلؤة وشجاعة الغواص والخطر

صفوى: أمل سعيد

على ضفاف حضارة دلمون وفي أعماق مياهها، وتحديداً بالقرب من هيرات اللؤلؤ تنقل المؤرخ والباحث عبدالخالق الجنبي بمستمعيه، ليقص لهم حكايا الخلود، وفي مجلس أمير بن رجب الثقافي ببلدة سند في مملكة البحرين كان الحضور يقرأون التاريخ بعيون الجنبي في محاضرته اللؤلؤة ورمزيتها للخلود عند سكان الخليج.

وفي المحاضرة التي حصلت “صُبرة” على نسخة مكتوبة منها؛ تحدث الجنبي عن أسماء اللؤلؤ في اللغة العربية واسمها المستخدم في ساحل الخليج العربي ومصدر هذه التسمية، رابطاً اللؤلؤ بالجمال، مستشهداً بالقرآن الكريم الذي ذكر اللؤلؤ فيها دلالة على الجمال.. “ ومن هنا، فقد أكثر قدماءُ الشعراء العرب، ولاسيما شعراء الجزيرة العربية من تشبيه النساء الجميلات باللؤلؤة (الدُّرَّة) في شعرهم، ومن ذلك قول حسان بن ثابت:

وَلأنتِ أَحسَنُ إِذ بَرَزتِ لَنا

يَومَ الخُروجِ بِساحَةِ القَصر ِ

مِن دُرَّةٍ أَغلى المُلوكُ بِها

مِمّا تَرَبَّبَ حائِرُ البَحر ِ

الحبيبة لؤلؤة

وفيما ذكر الجنبي أنه من اللافت للنظر عند شعراء شرق الجزيرة العربية أنهم كانوا كثيراً ما يشبهون حبيباتهم باللؤلؤة (الدُّرَّة)، كانت هناك ملاحظة أدق وأجمل على حد تعبيره “والأجمل من ذلك هو وصفهم بدقة مذهلة للحالة النفسية “السايكيولوجية” لهذا الغواص قبل ظفره بهذه الدرّة، وأثناء بحثه عنها، وحال رؤيته لها، وبعد حصوله عليها رغم المخاطر المهولة التي تحيط بها؛ حتى ليُخيّل للقارئ أنّ الشاعر هو نفسه الغواص، وأنّ ما ذكره في شعره ما هو إلا تجربة ذاتية حصلتْ له شخصياًـ مع أنّ هذا غير صحيح دائماً“.

ولا تهدأ أفكار الباحث إذا إنها تواصل التحري في قصائد الشعراء ليوصل لجمهوره ملاحظته الثالثة “إلا أنّ أكثر ما لفت نظري أثناء قراءتي لقصائد شعراء شرق الجزيرة العربية الذين تناولوا فيها وصف اللؤلؤة (الدُّرّة) هو نعتهم لها بأنها (الخُلْد)  أو (خُلْد الحياة)، وأنّ من نالها ينال الخلود“.

ومن هذه اللفظة يلملم الجنبي خيوط مقدمة محاضرته ليربطها بملحمة جلجامش الأسطورية.. تلك الملحمة التي تحكي قصة الملك السومري الباحث عن الخلود حتى وجده في لؤلؤة (ديلمون).

وصف لا اسم

ويرى الجنبي أنه على الرغم من أنّه لم يرد في ملحمة جلجامش ذكر اسمٍ لـ(اللؤلؤة) صراحة أو مقابل له في لغات بلاد ما بين النهرين، إلا أنّ ما ورد في العمود السادس من اللوح الحادي عشر منها يدلُّ دلالة واضحة عليها، حيث قرأ بعض الفقرات من الملحمة التي تشير إلى اللؤلؤة بوصفها لا باسمها،

حيّة الماء

كما أشار إلى تقليد ذُكر في الملحمة كان متبعاً عند الغواصين إلى وقت قريب؛ هو أن يربط كل غواص منهم ثقلاً من حجر أو حديد في قدميه ليسرِّع من إنزال جسده إلى قاع البحر.

ويضيف “ومما يزيد الأمر تأكيداً أيضاً في أنّ المراد بهذه النبتة هو اللؤلؤة أو الصدفة الحاوية للؤلؤ هي تلك الجزئية من ملحمة جلجامش التي تشير إلى وجود الحيّة المائية باعتبارها عدوة لكل من يقطف هذه النبتة، فهي إن لم تستطع منع الغواص من أخذ النبتة بعَضِّه في يده، فإنها قد تخطفها منه بعد أخذه لها ولو بعد حين“.

ويكمل “الحية المائية أو ثعبان البحر كان دائماً مصدر قلق وخوف لدى غواصي اللؤلؤ، فغالباً ما تكون جحورها بالقرب من الهيرات حيث تحتمي وتتربّى أصداف اللؤلؤ“.

نبتة الخلود

وبعدها عرض الجنبي مقطعاً من الملحمة وترجماته المحلية والعالمية التي تشير ـ بمجملها ـ إلى أن تلك النبتة تهب من يحصل عليها صفة الخلود، أي أنّ ما يهبُ الشبابَ أو الخلودَ حسب ملحمة جلجامش هو اللؤلؤة، وهو ما ظل سكان ديلمون يرددونه ويعتقدونه حتى القرن السادس الميلادي، حتى بعد أن أصبحت ديلمون تسمى البحرين. وفي مايشبه التسلسل الزمني تعرض الجنبي لنماذج من شعراء هذه المنطقه قديماً وحديثاً، حيث ورد ذكر اللؤلؤ في قصائدهم:

مع الإشارة إلى ثلاثة أركان رئيسة أشاروا إليها، وهي كالتالي:

1. نبتة بحرية (دُّرَّة) في عمق البحر تهب الخلود لكل من يحصل عليها.

2. غوّاص مقدام يُصرٌّ على قطف هذه النبتة رغم الخطر المحدق به جرّاء ذلك.

3. وجود الكائن المائي الخطر والمخيف، وعادة ما يكون الحيّة المائية الحارسة لهذه النبتة والتي لا تسمح لأحد بالاقتراب منها.

شعراء

أما الشعراء الذين اختارهم الجنبي لبحثه فهم:

المُسَيّب بن عَلَس الضُبَعِي البَكْريّوكان من أقدم شعراء المنطقة الذين ذكروا عملية الغوص على اللؤلؤ.

أعشى قيس بن ثعلبة البكريوهو ابن أخت المسيب بن علس المتقدم.

نهشل بن حرِّي الدارمي التميميشاعر مخضرمٌ من بني تميم، كانوا يسكنون البحرين.

همام بن غالب بن صعصعة (الفرزدق): وهو من سكان كاظمة، التي هي الآن تابعة لدولة الكويت.

وبعدها استعرض الجنبي قصائد شعرائه الأربعة مشيراً إلى توافر الأركان الثلاثة فيها وربطها بملحمة جلجامش..

وخلص إلى أن:

أولاً: إنّ قصّة البحث عن اللؤلؤة في منطقة الخليج هي قصة ظلّت تتكرر في المنطقة لآلاف السنين من قبل جلجامش إلى وقتنا القريب، قد تختلف تفاصيلها تبعاً للزمان والمكان، ولكنها تحتفظ بجوهرها، أو ما أسميته بأركانها الثلاثة:

1.    اللؤلؤة (الدرّة) الموجودة دائماً في أماكن عويصة في قاع البحر.

2.    الغواص المقدام الحالم الذي لا يثنيه شيءٌ عن تحقيق حلمه بالحصول على هذه اللؤلؤة.

3.    الخطر المحدق حول هذه اللؤلؤة المتمثل في حية البحر عادة، وقد يكون غير ذلك كأسماك القرش وبعض المخلوقات البحرية الخطرة.

ثانياً: لقد رأينا من النصوص السابقة كيف أن هذه اللؤلؤة (الدرّة) أو (الدانة) كان الحصول عليها بمثابة الحصول على (الخلود)، أو (خلد الحياة)، أو (الشباب الدائم) بغض النظر عن كون المعنى المراد من هذه الألفاظ هو المعنى الحقيقي أو المجازي كما سبق وشرحت.

ثالثاً: إنّ تشابه قصص هذه النصوص التي استعرضتها لشعراء المنطقة قبل الإسلام وبعده بقليل، وتشابه ما ورد فيها من أوصاف دقيقة لاستخراج اللؤلؤة مع ما ورد في قصة جلجامش يدلُّ على أنّ قصّة جلجامش أو جزئية كبيرة منها هو ليس من الأساطير كما كان يُعتقد في السابق، وأنّ هذه القصة أو تلك الجزئية منها هي قصة حقيقية واقعية، ولكنّ الناس بمرور الوقت أضافوا إليها وزادوا عليها بعض الزيادات الخرافية مما جعلها تبدو كأنها أسطورة، وهذا ما يذكرنا بالمثل الخليجي المشهور: (لكل شيء أساس، وما زاد فمن الناس).

وبعد المحاضرة داخل عدد من الحضور وناقشوا المؤرخ الجنبي في بعض التفاصيل.

(تنشر صبرة بعضا من تلك المداخلات فيديو).

شكر

وفي طريق عودته من البحرين؛ تواصلت “صُبرة” مع الباحث الجنبي الذي وصف الأمسية بأنها “كانت جميلة جداً مفعمة بالود والتواصل الأدبي والتاريخي”. خاصة أن موضوع الخلود فيها مركز على “اللؤلؤة ورمزيتها للخلود عند سكان الخليج”، مضيفاً أن “المقصود بالخلود هو النعيم الدائم الناتج عن الغنى المفرط لمن يحصل على اللؤلؤة الدرة”. وأشار إلى هذا الحديث ذو صلة بـ “استخراج اللؤلؤة الدرة وطريقة ذلك، والمخاطر المحيطة بعملية استخراجها، ورمزيتها للخلود بمعنى النعيم الدائم، وتحقيق أحلام كل من يحصل عليها”.

وشكر الجنبي مستضيفيه ومكرّميه، وأهمهم ابن رجب صاحب المجلس الثقافي المستضيف، وصاحب موقع الجريش البحريني، والدكتور محمد حميد السلمان عضو الجمعية الخليجية للتاريخية”.

الصور من زهير الجنبي

شاهد الفيديو في قناة “صُبرة”

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com