العالم مشغول بـ«كورونا».. وعوامي يبحث عن فيروسات تقتل السرطان الدكتور أحمد الزاهر درس البيطرة في الأحساء وتحول إلى الجينات في إسبانيا

القطيف: معصومة الزاهر

فيما الكرة الأرضية تلهث خلف لقاح ناجع للفيروس المُستجد؛ «كورونا» بتحوراته، هناك قطيفي، وعوامي تحديداً، يبحث عن لقاح لقاتل آخر، قد يراه أخطر من «كورونا»، أنه السرطان.

أحمد عبدالله أحمد الزاهر، يبحث في الأندلس عن فتح آخر، لا يشبه فتح طارق بن زياد، وإن كان العدو (السرطان) أمامه، والبحر خلفه. يبحث هذا العوامي مع فريق عمل، عن علاج للسرطان، الذي يتسبب في 16% من الوفيات حول العالم، والذي يتسبب في وفاة واحدة من كل 6 وفيات، والذي قضى على 8.8 مليون شخص في العام 2015، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية (إجمالي وفيات كورونا العام الماضي يناهز مليوني شخص).

الزاهر الثاني من اليسار وقوفاً مع الفريق البحثي الذي كان يعمل خلال مرحلة الدكتوراه.

فيروس «آمن» يحارب السرطانات

فكرة الزاهر تقوم باختصار على استخدام الفيروسات وتحويرها لعلاج السرطان. يشرح فكرته في حوار مُطول مع «صُبرة»، بالقول «تقوم على تحوير الفيروسات يدوياً في المختبرات، ويكون ذلك بإضافة بصمات وراثية بحيث يتعرف الفيروس على الخلايا السرطانية، ونساعده كي يهاجمها».

هنا؛ نكون أمام إشكال كبير، يتمثل في كيفية التأكد من مهاجمة الفيروس الخلايا السرطانية دون غيرها. يجيب الزاهر «لأن للخلايا السرطانية خصائص تختلف عن السليمة، فعند تحوير الفيروس نقوم بتوجيهه إلى أحد هذه الخصائص وتعريفه إليها».

ويوضح مقصده بضرب المثال التالي «لو افترضنا أن السرطان حصن منيع، وهذا الحصن له عدة أبواب، وكل باب يختلف عن الآخر، وكل باب له مفتاحه؛ فنحن سنحور الفيروس ونوجهه إلى باب مُحدد، ونضع المفتاح في الفيروس، بحيث يكون عمله مشترطاً بفتح الباب بالمفتاح الذي لن يقدر غير الفيروس على استخدامه، الا في الخلايا السرطانية، ولن يقدر أن يستخدمه في مهاجمة الخلايا السليمة، وبذا نتأكد أنه لم يهاجم الأخيرة».

ويوضح الفكرة أكثر «لو استخدمنا الفيروس المُحور الموجه إلى السرطان؛ فبعد قضاءه على الخلايا السرطانية خلال فترة قصيرة؛ فإنه الجهاز المناعي في الجسم سيقوم بعد 7 أيام من حقنه، بمهاجمة هذا الفيروس، وخلال أسبوع إلى أسبوعين سيُقضى عليه».

ويضيف أنه «خلال هذه الفترة، وبعد القضاء على الخلايا السرطانية سيكون الفيروس خاملاً، ولن يتمكن من الوصول إلى فترة التحول الذاتي. وخلال هذه الفترة سيقضي الجسم على الفيروس قبل مهاجمة الخلايا السليمة، لذا فهو آمن».

تبحر أبحاث الدكتور أحمد الزاهر في عالم الخلايا السرطانية.

تقنية قديمة مُستجدة

يُقر الزاهر، بأن هذه التقنية ليست جديدة «منذ 20 سنة تستعمل، ولكن العالم عاد لها في الفترة الأخيرة، لأنها اثبتت فعاليتها بالنتائج السريرية. وشدت انتباه الاستثمارات الطبية».

ويبرر الحاجة إلى هذه التقنية الآن، بالقول «في البداية؛ استخدم الفيروس في حد ذاته من دون استخدام تقنية التحوير. وكانت هناك مشاكل وشكوك حول سلامة استخدامه. وكانت الاستجابة محدودة. ولكن مع تطور العلم والأبحاث، واكتشاف ثغرات في السرطان؛ مكنت من استخدام تحوير الفيروس ليهاجم السرطان، وعادت الأوساط العلمية إلى هذه التقنية، واستخدامها. ورأينا ان النتائج واعدة، وهناك أبحاث متقدمة حالياً تتجه إلى هذه التقنية، بعد التأكد أن الفيروس وحده يعالج السرطان، ويساهم أيضاً في تحفيز مناعة الجسم لمكافحة الخلايا السرطانية».

يعدد الدكتور الزاهر، فوائد هذه التقنية وميزتها عن العلاجات الأخرى «هي علاج موحد لجميع أنواع السرطان. فضلاً عن سرعة العلاج، خلال جلسة تراوح بين أسبوع إلى أسبوعين، وبعدها تكون فقط مراجعات للتأكد».

لا يجزم الزاهر بان العلاج الجديد سينهي العلاج بالكيماوي لمرضى السرطان.

وداعاً للعلاج الكيماوي

إلى الآن لم يتم اعتماد هذا العلاج، وهناك علاجان فقط من هذه التقنية عالمياً، اعتمدا من قبل منظمة الغذاء والدواء الأميركية (FDI) إضافة إلى علاجات أخرى في مراحل التجارب السريرية.

ولكن في حال تم اعتماد التقنية التي يبشر بها الزاهر، فإن العالم قد يقول «وداعاً» للعلاج الكيماوي، الذي يكاد يكون خشبة النجاة الوحيدة لمرضى السرطان حالياً.

لكن الدكتور أحمد يتريث في الجزم بذلك، قائلاً «بحسب حال الورم؛ إذا كان حجمه كبيراً ومتطوراً؛ فإن هذا العلاج لا يكفي، لأنه يكون لمدة معينة، وبعدها تكتشف مناعة الجسم هذا الفيروس وتقضي عليه».

يضيف أن «محدودية الفترة تعني فعالية محدودة بحسب حجم الورم، فكلما كان في بدايته وحجمه صغيراً؛ كان التحكم في هذا العلاج أفضل. لكن في حال الورم الكبير؛ فنحن بحاجة لاستخدام علاج آخر معه، وربما التدخل الجراحي».

ويرجح أنه أنجع في الحالات المتقدمة والمتطورة، «بحكم أن هذا يمثل التحكم في السرطان المنتشر بالجسم، فبعض العلاجات لا تصل إلى جميع انحاء الجسم، ولا بد أن تكون موجهة إلى جزء معين، وتعمل جلسات علاجية لجزء معين، يكون الورم منتشراً فيها أكثر. ولكن هذا الفيروس بمجرد حقنه في الوريد سيهاجم جميع الخلايا السرطانية الموجودة في الجسم. وهذه نقطة ايجابية».

يقر الزاهر بوجود مشكلة «عندما يكون الورم كبيراً؛ هنا يكون العبء كبيراً على الفيروس في القضاء على كامل السرطان، فيحتاج مشاركة علاجات أخرى».

وأيضاً يقر بعدم إمكانية استخدام هذا العلاج بديلاً للكيماوي، «إنما هو مكمل»، مبيناً أن هذا العلاج حالياً «في مرحلة مبكرة، ولو استخدم ونجح في التجارب السريرية؛ فسنستخدمه بداية لعلاج السرطان في المراحل المُبكرة، إذ يمكن أن يسيطر على السرطان من ناحية الانتشار، ويقضي على الخلايا السرطانية الموجودة».

الزاهر السابع من اليمين مع الفريق البحثي الذي يعمل معه حالياً.

عوائق بيروقراطية.. وتمويل

واجه أحمد الزاهر «عوائق بيروقراطية» كثيرة أثناء أبحاثه على هذه التقنية، خلال مرحلة الدكتوراه، ولكنه طورها خلال 5 سنوات. يقول «العلاج الآن في طور إجراءات الموافقة على بدء التجارب السريرية، وإلى حين صدور الموافقة وانتهاء الإجراءات؛ فأنا أجهز لعلاج آخر، واعمل عليه منذ سنتين. ومتى ما انتهت إجراءات الموافقة؛ سنبدأ فوراً في علاج ثان».

وأشار أيضاً إلى حاجة الأبحاث إلى الدعم المالي، واقتناع القطاع الخاص (شركات الأدوية) بتمويل البحث المُكلف، خصوصاً أن مدته طويلة، فيما الشركات تفضل الاستثمار في الأبحاث التي تكون مدة التجارب السريرية فيها أقصر وكلفتها أقل. وتوقع أن يحتاج الدواء الجديد إلى 10 سنوات لصدور الموافقات، ونزوله إلى السوق.

جامعة برشلونة التي نال منها الزاهر شهادة الدكتوراه.

العلاج الثاني

يتحدث الزاهر، حول العلاج الثاني الذي يعمل عليه، مبيناً أنه في نفس المجال، «ولكن نحاول تفادي بعض الإشكالات التي واجهتنا في الأول. ونحاول أن نطور ما سنواجهه في التجارب السريرية»، موضحاً أنه يعتمد على تحور فيروس لمرضى الخلايا السرطانية. ويعمل مع فريق إسباني على تطويره في جامعة فالنسيا.

يقول «قدمنا ورقة بحث للنشر، والنتائج واعدة، وسنكمل البحث. وحالياً أحاول تنسيق تعاون بحثي مع مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية، تمهيداً لنقل البحوث إلى المملكة».

عمل الزاهر على هذا العلاج بعد نيله الدكتوراه. يقول «جامعة فالنسيا تكلفت بكل شيء، وتم تعييني باحثاً في الجامعة، ونعمل منذ عامين ونصف العام على هذا العلاج».

خلال مشاركته في أحد المؤتمرات العلمية.

ولادة بتاريخين

ولد أحمد الزاهر في حي الجميمة بالعوامية، في الـ20 من شهر صفر عام 1403هـ، هكذا دُون في شهادة ميلاده، ولكن تاريخ ميلاده الفعلي في السابع من شهر محرم من العام ذاته، ويبرر هذا التباين بـ«التأخر في التسجيل».

درس الزاهر المرحلة الابتدائية في مدرسة قرطبة، وبعدها في مدرسة جرير، وكانت «البخاري» في مرحلة من المراحل الانتقالية بين هذه المدارس، لفترة بسيطة.

دراسة المتوسطة والثانوية كانت في بيت مستأجر في حي الجميمة، يقع بجانب الحديقة الحالية. وبعدها انتقل إلى المدرسة الثانوية في حي شكر الله، التي تحولت الآن إلى مدرسة بنات.

مدرسة قرطبة حيث درس أحمد الزاهر المرحلة الابتدائية.

من الأحساء إلى كندا

يصف الزاهر سنوات الثانوية بأنها كانت «فترة انتقالية ومحبطة في مشواري الدراسي»، يقول «كنت متفوقاً في الابتدائية والمتوسطة. وفي الثانوية حاولت أن أجتهد أكثر، ولكن لم يتم قبولي في الجامعات السعودية، لذا درست في مركز التدريب البيطري والإنتاج الحيواني بالأحساء، الذي يمنح دبلوم يعادل الثانوية، وتخرجت بامتياز. وبهذا الدبلوم سجلت لدراسة البكالوريوس في الأردن».

تلقى أحمد تشجيعاً من والده لدراسة اللغة، وأن ينفتح على الدنيا، وأن تكون فترة إجازة ليقرر بعدها ما يناسبه؛ العمل أم إكمال الدراسة؟ لأن «دراسة اللغة ستنفعني حتى في العمل، وسيكون وضعي الوظيفي أفضل. هكذا كان يقترح علي والدي».

حصل أحمد على شهادة الدبلوم من مركز التدريب البيطري في الأحساء.

عام 2005، توجه إلى كندا، وتحديداً كينغ ستون، وهي مدينة صغيرة جداً في مقاطعة اونتاريو. يقول «في كل سفراتي التعليمية خارج المملكة؛ كنت أحاول أن ابتعد عن المناطق التي يكثر فيها السعوديين، لأنني لم أرغب بالتعلق بثقافة واحدة، وأتطلع إلى ثقافات مختلفة، وأتعلم منها».

التحق الزاهر في مدرسة «كوينز سكول اوف انجلش»، لدراسة اللغة الإنجليزية تابعة إلى جامعة كوينز، وهي جامعة كبيرة في هذه المدينة، كان السعودي الوحيد فيها، ويصف ذلك بأنه كان «نقطة إيجابية، كي اتعلم اللغة. وكان يوجد 4 عرب آخرين فقط، فكنت مجبراً على تعلم اللغة الإنجليزية».

خلال فترة الدراسة تغيرت نظرته إلى الحياة «180 درجة» كما يقول، من دراسة اللغة حتى تدعمه في العمل إلى نيل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.

يضيف «كنت اطمح أن أدرس تخصص مختبرات طبية، بيد أنه لم يحالفني الحظ، لأن الدراسة في التخصصات الطبية كانت حينها في الجامعات الحكومية فقط، والمقاعد محدودة، في ظل تنافس محموم على هذه المقاعد، من طلاب من كل أرجاء العالم. وكانت فترة التقديم سنوية، ما يعني أنه إذا لم يتم قبولك؛ فيجب الانتظار سنة للمحاولة مرة أخرى».

كان خياره حينها؛ أن يدرس في أميركا، إلا أن الحصول على التأشيرة كان صعباً، بسبب أحداث 11 سبتمبر.

جامعة عمان الأهلية حيث درس الزاهر مرحلة البكالوريوس.

من الأردن إلى إسبانيا

منتصف 2006 توجه إلى الأردن، ودرس في جامعة عمان الأهلية، تخصص تحاليل ومختبرات طبية. وقدم سنة الامتياز في مستشفى الجامعة الأردنية في عمان. يقول «أثناء الامتياز قررت التوجه لإكمال الماجستير في إسبانيا، فدرست اللغة الإسبانية في معهد سيرفانتس للغة الإسبانية».

يشرح الأسباب التي دفعته للتوجه إلى إسبانيا بالقول «أردت التعرف على ثقافات ولغات أخرى، غير الإنجليزية، إضافة إلى أن مدة دراسة الماجستير في إسبانيا سنة واحدة بشكل مكثف، بخلاف الولايات المتحدة، حيث تحتاج بين سنتين إلى ثلاث».

ومن أسباب ذهابه إلى إسبانيا أيضاً، هي أنها من منطقة الشنغن، والدراسة فيها تسمح له باكتشاف المناطق التي حولها، يقول «خلال فترة الدراسة في إسبانيا؛ زرت دولاً كثيرة، وتعرفت على ثقافات أخرى، وقارنت بين ثقافات دول ثانية مع إسبانيا، وشعرت بالاختلاف عندما تعيش في دولة أوروبية وتزور أخرى».

ويحمد لله أنه عاش في دول مثل كندا والأردن ثم إسبانيا، «حيث الثقافات مختلفة، كندا ثقافة إنجليزية – أميركية، والثقافة الأميركية أكثر الثقافات التي نعرفها، والثقافة الهندية هي التي تشبعنا منها. ولكن الثقافات الأخرى لم نطلع عليها إلا بذهابنا إليها. فغالبية السعوديين كانوا يتوجهون إلى بلدان لغتها الإنجليزية، ولكن بعد الابتعاث خرجنا إلى دول مختلفة، مثل بولندا أو المجر، وتعرفنا على ثقافات أخرى».

في سبتمبر 2011، توجه إلى مدينة برشلونة، لدراسة الماجستير في جامعة بومبو فابرا، في تخصص المختبرات الاكلينيكية، وكان البحث حول جينات السرطان.

جامعة بومبو فابرا.

كانت دراسته في إسبانيا باللغة الإنجليزية، فقط مادة واحدة بالإسبانية. يقول «كنت أخذ دروس لغة إسبانية خلال وجودي في الأردن، ولمدة 6 أشهر وساعدني ذلك لاحقاً، ولم أواجه صعوبة في هذا الأمر. ولكن الصعوبة في التواصل مع الجهات الحكومية والناس، فبعضهم لم يتعلموا، أو لا يعرفون الإنجليزية، فواجهت صعوبة في البداية في التواصل والبحث عن المعلومات في الدوائر الحكومية، لأن كل تواصلهم باللغة الإسبانية».

استعان الزاهر بزملائه في مرحلة الماجستير، لمساعدته عند الحاجة إلى مساعدة، مضيفاً «اكتسبت اللغة الإسبانية بالممارسة، لعدم وجود وقت لدراسة هذه اللغة».

يقدم ورقة علمية في أحد المؤتمرات.

رحلة ملاحقة السرطان

في أكتوبر 2012؛ بدأ في دراسة الدكتوراه، في مجال مختبرات الطب الحيوي، ببحث اختصاصي عن علاج السرطان، بواسطة الفيروسات Cancer Virotherapy. ونال الدكتوراه في نوفمبر 2017، بتفوق وتقدير «امتياز» في جامعة برشلونة، لتطوير علاج للسرطان بواسطة فيروس قام بتحويره يدوياً في المختبر. ونشر البحث بعنوان

Evidence of Anti-tumoral Efficacy in an Immune Competent Setting with an iRGD-Modified Hyaluronidase-Armed Oncolytic Adenovirus
وشارك ببحثه في مؤتمر برشلونة لمنظمة علماء الفيروسات في إسبانيا.

وخلال الفترة ذاتها تعاون مع علماء آخرين لتجربة دمج فيروس مع خلايا جذعية مستخرجة من دم الدورة الشهرية، بدلاً من استخراجها من النخاع الشوكي، لعلاج السرطان. ونُشر البحث بعنوان

Enhanced Antitumor Efficacy of Oncolytic Adenovirus-loaded Menstrual Blood-derived Mesenchymal Stem Cells in Combination with Peripheral Blood Mononuclear Cells.

جامعة فالنسيا.

قفزة سريعة

بعد مرحلة الدكتوراه؛ تلقى الزاهر عرضاً من جامعة فالنسيا، للعمل باحثاً في نفس المجال، لتطوير علاج باستخدام نوع آخر من الفيروسات. يقول «تم العمل على تطويره خلال السنتين الماضيتين. وحالياً هناك ورقة بحث مقدمة للنشر، حول هذا العلاج، وخلال هذه السنتين قمت بالإشراف على تدريب معملي لطلاب الماجستير، إضافة إلى طالب دكتوراه».

خلال سنة من العمل؛ ترقى الزاهر من junior researcher إلى senior researcher. وتعد هذه الترقية «قفزة سريعة».

دعم الأسرة.. وبرنامج الابتعاث

يشعر أحمد الزاهر بالامتنان «العظيم» لأسرته وبرنامج الابتعاث الخارجي، يقول «دعمتني أسرتي في دراستي، وكان لها دوراً كبيراً، خاصة الوالد، الذي شجعني على الدراسة كثيراً»، مضيفاً «لم يقصروا معي مادياً، وقدموا لي الدعم الدائم، سواءً في دراسة اللغة الإنجليزية، أو في خيار إكمال الدراسة».

عبدالله الزاهر والد الدكتور أحمد.

درس الزاهر 6 أشهر على حساب والده، ولأنه حصل على معدل مرتفع، وتزامن ذلك مع فتح برنامج الابتعاث، حصل على بعثة، التي مكنته من دراسة البكالوريوس والماجستير ثم الدكتوراه.

لذا يقول «أنا ممتن لبرنامج الابتعاث والمؤسسين والقائمين عليه، فمن دونه كانت ستكون هناك عوائق لإكمال الدراسة، ليس لي؛ بل لأشخاص كثيرين، فلولا هذا البرنامج لم يستطيعوا إكمال دراستهم»، مشيراً إلى أشخاص ناجحين الآن «لم يستطيعوا أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه لولا برنامج الابتعاث».

مركز الملك عبدالله العالمي للبحوث الطبية.

العودة إلى المملكة

يعترف الزاهر، بأن البقاء في إسبانيا «صعب»، يقول «أحاول الانتقال إلى السعودية، وإذا لم أستطع؛ سأتوجه إلى دولة أوروبية أو أميركا»، لافتاً إلى أن إسبانيا «تواجه أزمة اقتصادية قبل كورونا، وبعدها ستكون الأزمة أشد عليها مما حدث عام 2008، والعمل البحثي هنا يعتمد كثيراً على الحكومة. وسيكون الدعم المادي للبحث العلمي ضعيفاً، لذا فإن الأفضل ان انتقل إلى دولة ثانية».

ورغم ما حققه من نجاح؛ يسعى الدكتور أحمد الزاهر جاهداً إلى نقل أبحاثه من إسبانيا إلى السعودية، يقول «أحاول التواصل مع مركز الملك عبدالله العالمي للبحوث الطبية، ولكن إلى الأن لم أتلق رداً نهائياً، فالإجراءات طويلة ومعقدة، ولكنهم بشروني بأن الأمور ستمضي بخير، وأنا أنتظر»، مبيناً أن هذه العوائق «تواجه الكثير من الباحثين السعوديين، ممن يرغبون في العودة إلى المملكة، ولكنهم لا يستطيعون».

ويكشف عن طموحه في «تأسيس شراكة بين البحث الأكاديمي الحكومي والقطاع الخاص، فالأخير تواصله مع الأبحاث ضعيف جداً»، لافتاً إلى أن هناك أبحاث علمية قابلة للإنتاج، وستخرج تباعاً في الخارج، وتنتجها شركات أجنبية، وليست محلية.

ويرى أن تأسيس شركات محلية «يعتمد كله على الباحثين الموجودين داخل السعودية، وكل هذا يتم عن طريق تنسيق وتواصل بين الباحثين والجهات الحكومية، إذا لم يكن هناك تنسيق بين هذه الجهات؛ سيكون تواصل القطاع الخاص والجهات الحكومية البحثية صعباً، لأن تُنتج ونقطف ثمرة الأبحاث العملية بشكل واقعي وملموس في حياة المجتمع ولفائدة المجتمع السعودي والعالم».

إضافة إلى أبحاثه وعمله، يدرس الزاهر حالياً ماجستير إدارة أعمال، «اخترت هذه الدراسة كي أعرف طرق توطيد العلاقات بين المشاريع الكبيرة وإدارة الأبحاث، وفي نفس الوقت التنسيق بين الجهات المؤسساتية والربط بينهم في الأعمال. على أمل أن أنجح في استخدامه لربط المؤسسات القطاع الخاص في الجهات الحكومية، ولإيجاد طريقة تساعدني في إن لم تنجح؛ فهي ستفيدني في إدارة المشاريع الكبيرة».

زيارة المتاحف يحظى باهتمام واسع لدى الشعب الإسباني.

الإسبان.. رياضة وفن ومرح

يصف أحمد الزاهر، الشعب الاسباني بأنه «شعب مرح، يحب الحياة، ويحب التمتع بها. الجو في إسبانيا أفضل من أوروبا، حيث الأجواء باردة، ولكن في إسبانيا وإيطاليا الطقس أفضل».

يقول «بحكم الجو الدافئ في إسبانيا؛ لديهم أن الخروج إلى الحدائق والشوارع والبحر أو الطبيعة عامة هو شيء مقدس، قياساً بالجلسة في المنزل، فهذا شيء يكرهونه، ويعتبرونه كئيباً وغير معتادين عليه».

ويواصل الحديث حول الشعب الإسباني «لديهم سياسة أن تعيش يومك، ولتعيش أفضل ما يمكنك في يومك؛ لا بد أن تكون سعيداً في كل يوم يمر عليك، وتوفير المال لديهم ليس عملاً أساسياً، فالإسباني يوفر جزءاً من المال، والجزء الآخر يصرفه على متعته. ولا أقصد بمتعته العلامات التجارية والزينة واللبس، بل في الخروج إلى مطعم والتمتع بالحفلات والمسارح وعامة الفعاليات الثقافية والترفيهية لديهم. هذا العمل أساسي».

ويبين أن المال الذي يوفره الإسباني «قد يوفره لحضور مسرحية وحفلة لفنان، ويذهب إلى السينما أسبوعياً، أو عندما يخرج من العمل يذهب للقاء أصحابه. وبعد انتهاء الدوام في آخر الأسبوع لا بد أن يخرجوا سوياً. ومالهم الموفر يضيع على رفاهية من هذا النوع، وليست الأمور المكلفة، بل استمتاع بالحياة بشكل يومي».

كما يشير إلى تقديس الفنون لدى الإسبان، «خصوصاً الرسم والتصميم الفني، وعندما يكون هناك رسم فني فريد يسجلونه في تاريخ المدينة، ويصبح من معالمها. كما لديهم مهرجانات فنية كثيرة، ففي كل مدينة مهرجان فني منفرد، ولديهم متاحف خاصة، وكل مدينة فيها متاحف، بعضها مجانية، وآخر برسم يكون بحسب الفنانين وجودة الفن فيها. وأيضاً لديهم صالات عرض للفنانين المبتدئين المبدعين، وفي كل منطقة في المدينة، ولكل حي، كي تقدم فنهم أسبوعياً أو شهرياً بحسب حجم المدينة او المقاطعة».

المشي في الجبال رياضة تستهوي أحمد الزاهر.

المشي في الجبال

يشير الزاهر إلى عشق الإسبان للرياضة بشكل كبير «صغيرهم وكبيرهم رياضي»، مضيفاً «عرفت رياضات لم أرها في حياتي حتى في الأخبار، حتى لم أعرف لها أسماء. الرياضة مهمة جداً في حياتهم، وهم متفوقون عالمياً، لأن نشأتهم هكذا، ويساعدهم الجو، فلديهم ملاعب وحدائق ونواد».

رغم ذلك، ليس للزاهر ميول رياضية أبداً، يقول «لا أحب كرة القدم، لكنني أحب المشي في الجبال. هذه الرياضة لم أكن أعرفها سابقاً، ولم اتعرف عليها إلا في إسبانيا، وأعجبت بها، وطول الأسبوع أدرس وأعمل، وفي عطلة نهاية الأسبوع عندما أجد فرصة؛ فأنني أخرج مع أصحابي إلى الجبال. كما أنني ملتحق في صالة لياقة، للحفاظ على الوزن فقط. وأحاول تعلم ركوب الخيل، ولكنني بحاجة إلى الوقت».

رغم أنه يوشك على دخول عامه الـ40، إلا أن الدكتور أحمد الزاهر لم يتزوج حتى الآن «لأنني لم أرد ان تكون هناك عوائق أسرية قد تحول دون إكمال مشواري العلمي، وأيضاً لأن الجهد والوقت المحتاج في فترة الدكتوراه قد يمنعني من إنصاف أسرتي في الغربة».

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com