عبدالله شهاب.. حسّ صحفي ومُخبِر مسؤول

مرّت 33 سنة على أول معرفتي به. نقله مدير صحة البيئة في بلدية القطيف، من بلدية العوامية إلى بلدية القطيف، ليرأس قسم النظافة، حين كان مقرّه عمارةً منعزلة عند حديقة قلعة القطيف، في الموقع المقابل لمركز الخدمة الاجتماعية. وقتها؛ كنتُ شابّاً ساخطاً على نفسي وعلى اضطراري إلى وظيفة في البلدية. لكنه كان واقعي، وكان عليّ القبول به..!

جاء عبدالله شهاب من بلدية العوامية، محمولاً على سمعة طيبة في النشاط والحماسة. وهذا ما كان عليه بالفعل. في غضون أسابيع قليلة، حرّك القسم ومراقبيه، وحرّك المقاول، وأعاد صياغة القرطاسية بالكامل، ورمى نفسه في العمل رمياً، ليمضي نهاراته في الميدان، ومساءاته في المكتب.

في النهارات؛ يراقب ويتابع ويوجه مسؤولي المقاول، ويدون ملاحظاته.

وفي المساءات؛ يحرر المخاطبات، ويرد عليها، ويعقب، ويراجع.

 (2)

كان لدى القسم مسؤوليات كثيرة، غير الإشراف على أعمال المقاول. كان مسؤولاً عن تنظيم الأسواق، ومتابعة عقارات البلدية المؤجرة على أصحاب محلات اللحوم والدواجن، وشؤون الموتى، “الشرشورة”، ومراقبة بعض التعديات، ومتابعة إنشاءات المباني وشهادات الأنقاض. ومن خلال القسم نفسه تدور معاملات معقّدة مادتها الأساسية إعادة تنظيم القطيف/ المدينة، وحلّ مشاكل التداخل الوظيفي للمنشآت التجارية والسكنية والورش.

جيء بعبدالله شهاب من العوامية إلى القطيف؛ ليتولى كلّ هذه المسؤوليات، قبل إنشاء المنطقتين الصناعيتين، وفي مرحلة بناء متسارع جداً. كل شمال طريق “أحد” كان ورشة بناء هائلة. أحياء الناصرة، والمشاري، والمنيرة الغربية. لم يكن لحي التركية غير وجود الرمل المتراكم بعد دفن البحر. وما زلت أتذكر تلك المعاملة الطويلة التي حملت شكاوى سكان “الدخل المحدود” من “دفنهم” برمال “التركية” التي تجلبها الرياح.

كانت المشاكل أكبر من عبدالله شهاب، وأصعب من سيطرة البلدية على مخلفات بناء المقاولين، ومخالفات الأنقاض، وتسيّب الباعة المتجولين. لكنّ الشاب “الحمَامي” النحيف؛ حوّل ذلك القسم الصغير إلى خلية عمل، وكاد يربط حتى مدير مشروع المقاول في مكتبه لتنفيذ ما عليه تنفيذه. بل إنه جاء ببعض أبناء عبدالله الخضري إلى القسم، وجعلهم يُشرفون ميدانياً على أعمال شركتهم..!

(3)

وبقدر ما كان قويّ الشخصية؛ كان ليّنا وودوداً. ولطالما تغاضى وهو قادر على اتخاذ إجراء.

ذات صباح؛ وصلتُ متأخراً جداً. وحين طلبت ورقة الدوام للتوقيع، وجدت شطباً أمام اسمي. وبُحمق شابّ؛ مزقت ورقة الدوام. هذا التصرف الأرعن، وحده، كان كافياً لإحالتي إلى التحقيق، وترتيب إجراءٍ ليس طيباً في الحدّ الأدنى. لكن عبدالله شهاب تغاضى عن “حُمق الشاب”.

وللحقيقة؛ فإن عبدالله شهاب واجه كثيراً من المشكلات. وأظنني كنت واحدة منها. وقد جهد معي ليجعل مني منتجاً بشكل أفضل. كلفني تحريرَ مسودات الخطابات، أو مسودات الردود، وبذل جهده في شرح طرائق الديبجات المتبعة على وزن “إلحاقاً لخطابنا رقم وتاريخ المعطوف على خطاب سعادة أمير القطيف رقم وتاريخ بشأن الورش الواقعة في شارع الإمام علي.. إلخ”.

كنت أتحمس أياماً، ثم أفتر أياماً. لم تكن المشكلة في عبدالله شهاب، ولا في البلدية ولا في القسم. كانت المشكلة فيّ، إذ كنت أعمل في وظيفة لم أحبها يوماً. وحين آيس من إصلاح ما يمكن إصلاحه؛ اتخذ إجراءً في حقي دون أن يُلحق بي أي أذى..!

نقلني إلى مكتب مدير إدارة حماية البيئة وقتها؛ إبراهيم الثاني.

(4)

بعد ذلك بسنوات طويلة وعند عودتي إلى البلدية في العلاقات العامة؛ وجدت عبدالله شهاب مديراً لإدارة المتابعة في البلدية. لم يتسنّ لي الوقت لأعرف دوره. لكنّ ما أعرفه أن لدى الرجل ملكاتٍ بارعة في العمل الرقابي، الميدانيّ بالذات، ولديه إلمامٌ ممتاز بالأنظمة والإجراءات، وفوق ذلك يتمتع بأخلاقيات إدارية عالية، فضلاً عن الذكاء الاجتماعي.

بعد قرابة 33 سنة؛ صرتُ أتابع منشوراته في فيس بوك. وفي صفحته؛ سجلٌّ حيويّ لنشاط يوميٌّ. ذلك ما تبدو عليه الصفحة. لكنني أجد فيها حسّاً عالياً من الرصد والمراقبة العفوية، والتسجيل المسؤول لظواهر وحالات ومشكلات يومية. كأن في الرجل صحافياً ضامراً لم يجد فرصة في وسيلة إعلام، فراح يُخرجه ليُخبِر عما يشاهد، ويُدلي بما يرى..!

وهذا ما دعانا إلى استئذانه في نشر ما يكتبه في “صُبرة”.

حبيب محمود

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com