عبدالغني الشماسي من بيع “النامليت” في قلعة القطيف إلى بناء ميناء بالكويت فقد والده طفلاً فأحب أسرته ومجتمعه بلا حدود.. وثقف نفسه بلا مُعلم

القطيف: ليلى العوامي

اعتصرت الآلام جسده لعام، لكنه كان الأقوى والصبور، مبتسماً في مواجهته، لم يتعب وهو يتنقل في اليوم الواحد بين أربعة مستشفيات لمتابعة مواعيده، كان يعود من مواعيده مبتسماً شاكراً ربه، ليمارس مهامه المختلفة، بدءاً من أسرته، انتهاء بمجتمعه. بيته مان مفتوحاً لكل الأصدقاء، والمحتاجين، والأحبة.

لكن صبيحة الأحد الماضي، كان الأخير في روزنامة أيام عبدالغني الشماسي أبو محمد، الحافلة “بكل ما هو طيب”، ليخلف أبناء وبنات أثكلتهم لوعة الفراق، لكن قلوبهم إلى الله مسترجعة، قانعون بالقضاء والقدر.

غازي الجشي.

يتيم عصامي

توفي والده حين كان في الخامسة من العمر، يومها بدأت حياة هذا الطفل الذي نشأ يتيم الأب، فتعهدت والدته تربيته، لم تطاوعه نفسه أن يبقى جالساً مكتوف الأيدي، فضل العمل على أن يلعب كأترابه في فريق السدرة بحي القلعة.

انخرط عبدالغني في عالم الأعمال البسطة، يكد منها قوت يومه. منذ صغره كان عصامياً، باع أشياء بسيطة ذات مردود ضعيف جداً. يقول أبن أخته غازي أحمد الجشي لـ”صُبرة” “خالي رحمة الله عليه، لديه عزة وكرم نفس، يُعطي أكثر مما يأخذ، مما أنعكس ذلك علينا، لم يكن يفرق بين أخوته الأشقاء وغير الشقاء، كان الجميع لديه سواسية في العطاء والاهتمام”.

يضيف الجشي “لم يترك زيارة أمي (وهي غير شقيقة) يوماً واحداً، كان يزورها في السنة 365 يوماً، إلا إذا كان مسافراً، فهي جز من برنامجه اليومي”.

على صعيد العمل؛ تنقل الشماسي بين جهات عدة، بدءاً من شركة “أرامكو”، لينتقل للعمل مع سليمان العليان، وبعدها في المنطقة المحايدة في الجانب الكويتي (شركة “جيتي أويل”)، واستمر فيها حتى عام 1977.

مقاولات من الشرقية للكويت

عاد الشماسي من الكويت، ليفتتح مؤسسة مقاولات، ساهمت في بناء الكثير من المنازل في محافظة القطيف، فكسب من عمله السمعة الطيبة، لما تتميز به من الدقة في العمل، وإشرافه المباشر على ما يبنيه من بيوت، خاصة في بداية مراحل الإنشاء.

كان يعمل 16 ساعة يومياً، يبدأ من 5 صباحاً وحتى 9 مساءً، بلا كلل أو ملل. قدرته على القيام بعمل المقاولات جعلت منه مقاولاً مع شركة كويتية في ميناء سعود، فاستمر عمله بين الميناء والقطيف، لكن تركيزه كان على مسقط رأسه.

لم يكن متعلماً، لكنه كان مثقفاً، يبدع في الحديث والنقاش، وفهم الإشياء وتقريبها للأذهان، يمتلك مكتبة في منزله غنية بالكتب المختلفة الثقافات.

تكفل بدراسة ابن اخته

يتذكر أبن أخته غازي الجشي “لن أنساه حينما قال لي والدي: إذا انتهيت من الدراسة الثانوية عليك أن تعمل، ولكن خالي (رحمه الله)، قال لوالدي: غازي لن يقف عن الدراسة، وأنا من سأتكفل بتعليمه أينما أراد في المملكة أو خارجها”.

يكمل الجشي “قال كلمته وصدق، وأكملت المرحلة الثانوية ثم انتقلت للرياض للدراسة في جامعة الملك سعود، وتخرجت بفضل الله ثم خالي في تخصص الآداب. ورغم اقتراحه لي بأن أدرس في بيروت؛ لكني فضلت الرياض”.

لم يقتصر عطاء الشماسي على أسرته، بل مدَّ يده للفقراء. تؤكد أسرته أن “ما تدفعه يده اليمنى لا تعرف اليسرى عنه شيئاً، حتى أختاره الله إلى جواره. ساهم مساهمة فعَّالة في مد الجمعيات بما يسره الله له”.

ديوانيته مفتوحة، صباحاً وعصراً ومساءً، سواء كان موجوداً أو غير موجود، مجهزة بكل ما يمكن أن تكون عليه ديوانية الرجال.

يذكر الجشي بحزن وأسى “لا يمكنني إحصاء المواقف التي وقفها خالي بجانبنا، منها: توفي والدي (رحمه الله)، وخالي عبدالغني يعمل في ميناء سعود بالكويت، وبحكم ارتباطه بالعمل، وحاجتهم له؛ كان لثلاثة أيام يعود من الكويت لحضور عزاء والدي، ويعود ليلاً بعد انتهاء العزاء لسكنه في الكويت. جاء يومها لوالدتي وقال لها: لا تحسبي أن أبو غازي رحل؛ ستعيشي معززه مكرمة كما كنت وأحسن”. يضيف غازي “قالها وصان كلمته”.

أحمد الهزاع.

صاف السريرة

جمعت بين الشماسي، وأحمد الهزاع، سنوات من الصداقة، قال لـ”صُبرة” “كان صديقاً مقرباً قبل أن ارتبط بابنة أخته. عملنا سوياً في أرامكو في بداية حياته، فكانت صداقة وأخوة حتى اليوم. كرمه كرم حاتمي يده ممتدة للخير دائماً، نزيه، حقاني، طيب، ليس نمام، لا يتحدث في شؤون الآخرين، يحب المزاح، ومحال أن تسمع منه كلاماً سيئاً، اجتماعي بطبعه، وسعادته في التجمعات، سواء بين العائلة أو الأصدقاء”.

فادي شعبان.

لا يرد سائلاً

زوج ابنته نهى؛ فادي عبدرب الرسول شعبان، يصفه بـ”الشخصية الكبيرة”، يقول لـ”صُبرة” “كان يهتم في الجانب الاجتماعي كثيراً، كونه جزءاً من نسيج الوطن، فما لا يدرك جله لا يترك كله”.

ولفت إلى أنه في يومياته “كان يولي عناية كبيرة لقيمة الأسرة وصلة الرحم، حيث يقوم بترتيب زياراته الدورية، والتزم مواعيد تلك الزيارات على مدى سنوات طويلة، ويوصي ابناءه وبناته وأقرباءه بالاهتمام في صلة الرحم، فذلك باب من أبواب العطاء، وكان العطاء دوماً عنواناً مميزاً تنطلق منه سجاياه الكريمة. فمن الأسرة الصغيرة ينطلق اهتمامه ليشمل المجتمع الأوسع”.

 

معلم بالقدوة الحسنة

شعبان أشار إلى أن الراحل كان “خير مثال للتعليم بالقدوة الحسنة، إذ كان يبني يومه وغده على مشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم، ويوصي بنيه بذلك. وحينما نتحدث عن العطاء؛ فحري بنا أيضاً أن نعرج على عطاءه المادي، بداية من أبنائه وبناته وأقربائه، مروراً بالجمعيات والمشاريع الخيرية والمحتاجين”.

واستشهد بما قاله أحد أصدقاءه يوم وفاته؛ “حتى في عطائه المادي إنما انطلق من روح كبيرة حانية وعقل مدرك بناء، يسعى لآخر نفس في حياته لربط أواصر المجتمع وبقاءها متماسكة. ومن هنا نراه يربي ابناءه على أهمية الصدقات ودعم المشاريع الخيرية والجمعيات. وأنا هنا اتحدث عن وقائع عشناها معه، وآخرها وصيته لأحد أحفاده حديثي التخرج بأن يبادر بدعم برنامج كافل اليتيم بمجرد أن يتم تعيينه”.

أضاف شعبان في حديثه عن الراحل “أحب الناس؛ فأحبوه، وكان سمة حديثه في المناسبات تقديره للصغير والكبير فكم من مرة عاد من مشاركة اجتماعية ليقص على أحفاده ما رآه من دلائل المحبة بين الناس، فيحثهم على حب الناس؛ ليقابلوا بالمثل”.

عبدالعزيز أبو السعود

صديق الـ60 عاماً

الصداقة التي جمعت بين الراحل والحاج عبدالعزيز أبو السعود، تمتد لأكثر من 60 عاماً، لذا كان من الطبيعي أن يشعر بالحزن والألم والتوجع على فراق صديقه، يقول لـ”صُبرة” “تعود علاقتي بأبي محمد (طيب الله ثراه) إلى أواخر أربعينيات القرن الميلادي الماضي، عندما كان عمري أقل من عشر سنوات، كنت حينذاك أعمل معه في “بسطة” في سوق شمال، كنا نبيع أشياء بسيطة منها أعواد الكبريت والثلج و”النامليت” (مشروب غازي مثل الكولا والبيبسي)”.

استمرت علاقة الرجلين من دون فتور ومن دون أن يعكر صفوها شيء إلى أن توفى الله الشماسي، يقول صديقه “كان المرحوم خلال هذه السنوات الطوال؛ مثالاً: للوفاء، الشهامة، الود الصادق، الطيبة، التواضع، والصبر على الشدائد والمحن”.

وفي لحظة وجد يدعو أبو السعود لصديقه “جزى الله أبو محمد خيراً عني وعن من قدم لهم العون من دون منَّة، ورحمه الله رحمة الأبرار، وجعله عنده في أعلى عليين مع الأنبياء والأولياء والصديقين وحسن أولائك رفيقا، وألهم أسرته وذويه وجميع فاقديه السلوان، وجزاهم أجر الصابرين المحتسبين، ومد في أعمارهم، وحفظهم من كل مكروه، إنه سميع مجيب”.

زكي أبو السعود.

مهارات فريدة

هناك فارق في العمر بين زكي منصور أبو السعود، وبين عبدالغني الشماسي، يقول أبو فهد “كل معلوماتي عن طفولته أو صباه لا تخرج عما كان يتحدث به لي خلال بعض اللقاءات، عن مواقف مر بها أثناء سنوات عمره”.

حين توطدت علاقتهما، كان الشماسي “في قمة نشاطه رجل أعمال ناجح، حيث انشاء مؤسسته الخاصة بالمقاولات، في فترة ولج فيها عالم الأعمال مرحلة طفرة ما بعد منتصف سبيعنيات القرن الماضي، وكانت أعمال البناء نشطة وفي ذروتها، خلال تلك السنوات؛ تحولت البلاد إلى ورش تشييد للبنية التحتية، تعمل ليل نهار، كما شهدت البلاد في الوقت نفسه قفزات كبيرة في أسعار العقارات، خصوصاً المباني السكنية بعد تأسيس صندوق التنمية العقاري، وسعي الناس لبناء أو تجديد مساكنهم، فكانت الفرص كثيرة، والمنافسة قوية”.

 

في عالم المقاولات

يضيف أبو السعود عن الراحل “كي يثبت نفسه في هذه السوق؛ سخر أبو محمد خبراته المهنية ليؤسس مؤسسة مقاولات، تستطيع المنافسة والاستمرار من دون تعثر. عملياً؛ كانت بداياته من الصفر، من دون مساعدة من أحد. وهكذا؛ وبسبب مثابرته وتفرغه لإدارتها بكل تفاصيلها؛ تمكن خلال فترة قصيرة من جعلها واحدة من منشآت البناء المعروفة في القطيف، وظل يعمل فيها لحين تقاعده من هذا العمل، مكتفياً لاحقاً بإدارة عقاراته التي بناها هو بنفسه”.

عن الفترة التي كان يعمل بها الراحل في الخفجي، قال ابو السعود “تولى مناصب كبيرة في شركة البترول في المنطقة المحايدة حسبما فهمت، رغم أنه لا يملك شهادة جامعية، وهذا دليل على أن الرجل امتلك مهارات مميزة، وقدرات شخصية اهلته لتولي ذلك”.

حزن على فراق الأب/ الخال

مليحة أحمد الجشي، تقول عن خالها “أحببناه بكل جوارحنا، بقدر ما أحبته أمي (رحمة الله عليها)، كانت تحن عليه، تسعد بوجوده دوماً، إذا أقبل عليها انفتحت أساريرها حتى أثناء مرضها، وقبل انتقالها إلى الرفيق الأعلى، فكل من يزورها ويراه كان شاهداً على ذلك”.

تضيف “سيرته العطرة ورقي أخلاقه أوجدت في نفوس الأهل والأصحاب، وكل من يعرفه ويتعامل معه علاقات حميمية ومحبة كبيرة.. الخال يستحق التكريم والامتنان، لما حمله من صفات ملكت قلوب الآخرين ومحبتهم.. تجلت في تواصله وحديثه المتسم باللباقة دوماً، ابتسامة جميلة. عاش منذ صغره حياة صعبة جداً، لكنه تحلى بالصبر، وكان دائماً يحثنا على الصبر والتفكير قبل اتخاذ أي قرار”.

 

حنون محب للخير

وصفت الجشي خالها “رجل عصامي اعتمد على نفسه، وتغرب كي يكون ثروته بجهده وتعبه. تميز بسخائه، ما أن يتقدم إليه إنسان بحاجة إلا ويقدم له يد العون والمساعدة من دون امتنان”، مضيفة أن “الحروف والكلمات تعجز عن وصف هذه الشخصية التي جبلت على حب الخير.. هذا الحنون الذي نشعر به وكأنه الأب الذي نحن من صلبه، لما له في القلب محبة وإجلال واحترام”.

تبتهل مليحة “اللهم أجرنا في مصيبتنا في فقد الأب الغالي (أبو محمد)، الحمد لله الذي أعطانا فشكرنا، ثم أخذ منا فصبرنا، فيا من يعز علينا فراقه؛ سندعو لك دوماً بالرحمة والمغفرة.. اللهم أرحم غربته وآنس وحشته وآمن روعته، أحشره مع محمد وآل محمد في جنات النعيم.. لك الرحمة والرضوان، ولمحبيك الصبر والسلوان، حفظ الله أولادك ورعاهم بارين بوالديهم، وجعلهم خير خلف لخير سلف”.

 

يد بيضاء يرفض التكريم

تصف دلال العوامي، من جمعية العطاء النسائية في القطيف، الراحل الشماسي، بأنه كان “صاحب يد بيضاء، يرفض التكريم وإظهار اسمه في أي محفل، ولكونه زوج اختي الكبرى؛ كنت أنظر إليه أخاً كبيراً، كنت موجودة في منزله مرة، فطرحت عليه فكرة أن يمنحنا محل في بنايته لفترة محددة، ويحسب لنا الأجرة من وقت البدء في العمل، كانت المفاجأة انه منحنا إياه لمدة 4 سنوات من دون أجر قابلة للتجدد. فكان له الفضل في أن يرى مشروع محل الاستهلاك الذكي النور. وليس بغريب عليه ذلك؛ كان من الداعمين الدائمين للجمعية، حيث كان يصلني مبلغ سنوي تبرع عام للجمعية، من دون تقديم أي طلب”، داعية الله عز وجل “أن يرحمه برحمته، ويجعل أعماله ذخراً له في الآخرة، ويُكثر من أمثاله”.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×