تفجُّع “المُلّايات” يُثير جدل “الفيسبوكيين” حول “فواتح النسوان” الدكتور حسين الخباز يطالب بإيقاف "الكثير مما يجري ويُقرأ"

معصومة الزاهر: رقصة الدَّور جريمة في حق النفس.. وما خفي أعظم

القطيف: فيس بوك

وضع الدكتور حسين زكي الخباز ما وصفه “فواتح النسوان” في دائرة انتقاداته التي يبثها عبر فيس بوك، معلناً غضبه على “الملّايات”، مطالباً بإيقاف “الكثير مما يجري ويُقرأ” في مجالس العزاء النسائية. وانتقد الخباز العادة القائمة من تعمدة “المُلّاية استحضار الأشعار المفجعة والمحزنة” التي تزيد من تفجُّع النساء على المفقود أكثر، خاصة حين يكون المَيت شاباً.

الدكتور حسين الخباز

وقال “بدلا من قول كلام يخفف الصدمة، ويهون الحزن، ويساعد على تقبل ما حصل. ربما تقال أشعار وكلام يضخم المصيبة، ويجعل ما حصل صعب النسيان”. ومن موقع تخصصه كطبيب قال “فتصاب الكثير من الفاقدات ـ بعد الفاتحة ـ  باضطرابات حادة قد تستمر بقية حياتهن، تظل تشكو من آلام لا يمكن تفسيرها وتراجع كل الأطباء دون فائدة. وتبقى حزينة وكارهة للحياة طول حياتها”.

تصاب الكثير من الفاقدات ـ بعد الفاتحة ـ  باضطرابات حادة قد تستمر بقية حياتهن

 تفاعل متضارب

وأحدث انتقاده تفاعلاً متضارباً بين المعلقين. وقال الفوتوغرافي علي المحسن إن “الاصل في إقامة مجالس العزاء مشاركة اهل المتوفى بغرض التخفيف وتهوين المصاب. اما القارئ فالمطلوب منه إضافة الموعظة إلى ذلك وكفى. لكن ما نراه عكس ذلك تماماً”.

لكن محمد حسين بن معتوق يرى أن هذا الحال ينطبق أيضاً مع “بعض فواتح الرجال”. وأضاف “إذا لم يكن الملا على درجة جيدة من الوعي ربما يزيد من وقع المصاب، وبعضهم قد يتوجه بكلامه مباشرة لأهل العزاء أثناء المأتم فيستثير عاطفتهم بدل تسليتهم“.

علي المحسن: خوف النقد يعيق تقدم المجتمع

علي المحسن

 ما خفي أعظم

وفتحت معصومة الزاهر محوراً جديداً في مناقشة الحالة؛ بوضعها تفصيلاً مؤلماً لما يحدث.. وقالت في تعليقها المطول “يرتبط مفهوم الفاتحة وكيفيتها وإحياء وفيات أهل البيت، وكما نسميها (مصائب أهل البيت) ومن اسمها تستطيع تخيل كيفية إحيائنا لها”. ليعود الفوتوغرافي المحسن معلقاً بـ “في هذه الحالة الواحد يسوي الفاتحة في بيتهم ويحط مصاحف وانتهى.. هذي مو فاتحة.. هذا مسلسل رعب“، لتعلّق الزاهر على تعليقه بقولها “ فعلا ما خفي أعظم.. حاولت أكون مختصرة“.

محمد قريريص: كدنا نفقد والدتنا في “فاتحة” شاب من أبنائنا

محمد قريريص

وتعليقاً على كلام الزاهر؛ تحدث محمد قريريص عن تجربة مؤلمة في عائلته.. فقال “كدنا أن نفقد والدتنا في عزاء أحد أبنائنا رحمه الله، والسبب هذه المشاهد المثيرة للوجع والألم حد فقدان الشعور والإغماء، لولا تدخل اللاتي أوقفنهن ومنعهن من الاستمرار”. وعلق قريريص “للأسف ثقافة النياح والعويل أصبحت جزءاً من أحزاننا، وعليه يرى البعض أنه يجب استحضار هذه الثقافة ولو بأسلوب تمثيلي، وكأن الهدوء والتسليم لقضاء الله وقدره هو معيبة في حق المتوفي واستنقاص لمكانته“.

بعضهم يبحث عن الملّاية الفلانية لأنها تُجيد التفجُّع

 اختصاصيات تفجُّع

وعلّق محسن آل شلي بقوله إن “البعض يبحث عن الملاية الفلانية لكونها تستحضر مواقف المتوفي، خصوصاً إذا كان معروفاً، وهذا ما يزيد التفجع لدى أهل الفقيد أو الفقيدة”. وأضاف آل شلي “لا بد من وقفة تأمل”. وأيدت عواطف آل حسن بقولها “ قراءة القرآن في هذه الأوقات كافية”.

لكن عبدالسلام الدخيل علّق بأن هذا الكلام لا يصل إلى الملّايات، واقترح توجيهه للمشايخ والخطباء لينصحوا الملايات ويوجهوهن بالطريقة الصحيحة التي وجهنا بها القرآن ورسول الله وآل بيته“.

حسين المقرن: الفواتح مهمة.. وتحتاج إلى إدارة محتوى جيد

 رأي آخر

ولم يخلُ النقاش من اعتراض على مبدأ الفكرة، أو على طريقة طرحها.. وقال عبدالرؤوف الدبيسي “لا أرى الأمور بهذه الحدة. بعض البكاء سلوى تريح أصحاب العزاء، وتخفف عليهم وقع المصيبة. وكثير ممن لا تتاح لهم فرصة البكاء والتحسر يمتد أثر المصيبة فيهم مدة أطول وقد يصابون بحالة من الحزن الشديد”.

حسين المقرن

وعارض حسين المقرن فقال “الفواتح مهمة، يفرغ فيها أهل الفقيد شحنات الحزن المكبوتة بسبب الفقد”. وأضاف “نعم تحتاج لإدارة محتوى جيد وتحديد أتعاب معقولة لكن لست مع إلغائها”. وقال “قلّما نسمع عن أحد ـ رجالاً كانوا أم نساءً ـ أصيبوا باكتئاب أو أزمات نفسية بسب حضور الفواتح.. أكاد أجزم أني لم أسمع بذلك من قبل”. فرد الخباز موضحاً “لا حديث عن إلغائها، إنما تقنين ما يقال ويفعل فيها بطريقة تساعد على تفريج الكرب لا مضاعفته، كما يجري في بعض الفواتح اليوم، خصوصا النسائي منها وخصوصا التي تكون لفقد شاب“.

 ثغرة للعلمانيين

وسجّل ياسر العلي اعتراضاً على مبدأ النقاش المفتوح.. فقال “طرح الموضوع بدون تقنينه بهذه الطريقة غير جيد، خصوصاً في برنامج مفتوح أمام الملأ”.. وأضاف “أكاد أجزم أن ما يتم طرحه في التعليقات يمثل بعض العوائل الصغيرة في بعض البلدات والقرى. نعم أنا مع النقاش وإصلاح بعض الأخطاء.. ولكن أن يُطرح الموضوع بهذا الشكل الذي يجلب الشكوك والتنبؤات التي لا تعتمد على إحصائيات فهذا تجريم في حق الطائفة وثغرة للعلمانيين والحداثيين”. وقد وجد هذا التعليق امتعاضاً من المشاركين؛ من بينها ما كتبه علي المحسن “معذرة، ولكن الخوف من الانتقاد أحد أسباب تراجع المجتمع”. وأضاف “لا يوجد مجتمع كامل، ولا طائفة تخلو من عادات دخيلة لا أصل لها”.

ثلاثة أيام هادئة مع من نحب

معصومة الزاهر

يرتبط مفهوم الفاتحة وكيفيتها وإحياء وفايات أهل البيت وكما نسميها (مصائب أهل البيت) ومن اسمها تستطيع تخيل كيفية إحيائنا لها. إن كان المتوفى رجلاً فستقرأ القارئة عن الإمام الحسين وعن الإمام علي. وإن كانت امرأة فستكون القراءة عن السيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب وأم البنين.. يعتمد على أهل العزاء والحالة التي تريد صنعها بهم من دمار وألم والسفر بهم بعيداً حيث اللارجوع من التخيلات اللا إنسانية.

يحتوي عزاء النساء أيضا على عادة موحشة جدا تسمى (الدَّور) وشرحه أكثر إيلاما. لو أنك تتخيل والدة المتوفي وان كانت كبيرة بالسن تقف بالوسط لاطمةً على رأسها وحولها النساء يصفقن. ولك بالسؤال عن كيفيته، إن ما يحدث جريمة بحق النفس.

والعادة الأخرى إنه باليوم ما قبل الأخير (يوم زيارة القبر) يدخل الوفد بعد الانتهاء من الزيارة بشكل صادم جداً، مع تجهيز ما يتناسب ودخولهم من (نعي) لتدميرهم وتدمير الحاضرين.

تبقى النساء لمدة 5 ايام بهذا الحال. ترفض بعض العائلات الهدوء في الفاتحة عمداً. يؤمنون بأن تكون الفاتحة (حارة) المتوفى شباب مثلاً أو لأنه أحد الوالدين.

يستمر العزاء لعشرة أيام بعدها، أي بعد كل هذه الامور مازال العزاء مستمراً، ولا مجال للراحة. ناهيك عن أن هناك من يحيي الأربعين.

هو ليس عزاء وهذه ليست فاتحة.. إنها مجموعة عادات ستندثر مع اختلاف الأجيال. فجداتنا لا يفعلن ذلك. وأمهاتنا توقفن بصمت، ورفضناها نحن بصوت مرتفع، حتى أصبحنا لا نرغب بالالتزام بالفواتح أبداً، وأجد أن ثلاثة أيام هادئة بقرب الأحبة ومواساتهم ومداراتهم أسمى بكثير من جميع ما ذكر.

رقص الدَّوْر…!

الدَّوْر هو طقس اللطم في “الفاتحة” أو “العزيَّهْ”. طقسٌ نسائيٌّ صرف، تشترك فيه محارم المُتوفّى، ندباً وتأبيناً. في القطيف يسمّونه “رگْصة الدَّورْ”، ذلك أنه يُشبه الرَّقص، وما هو برقص..!

وصفه أن تتقابل النساء في شكل دائرة، ثم يدرن حول قطرها متقابلات، وهنّ يلطمن الخدود، على “ردّادية” سريعة الإيقاع. والرّدّادية أهزوجة رثاء عامية تنعى الحسين غالباً، أو أحداً من أهل البيت.

وبهذا يختلط الحزنُ على الحسين بالحزن على المتوفَّى، ويستحيل الحسين سُلواناً للفاقدات.

إنهنّ يستعدْن أحزان أهل بيت النبوّة في مناسباتهن الحزينة. إذا كان المتوفّى كهلاً؛ كان النبيّ أو علي أو الحسين محطّ التأبين في مجلس العزاء كله.

وإذا تُوفّيت شابّة؛ حلّت السيدة فاطمة في المجلس، أو السيدة زينب.

وإذا كان المتوفّى غريباً أو سجيناً؛ حلّ الإمام الكاظم.. أو الرضا..

وإذا تُوفّيَ عن مرضٍ؛ حلّ زين العابدين..

في النهاية؛ يجدون في سيرة النبي وآله ما يلائم مُصابهم، رجالاً ونساءً، ليتسلَّوا بمصائبَ أعمق من مصائبهم.. ألم يقل الشاعر العراقي:

أنست رزاياكم رزايانا التي

سلفت، وهوّنتِ الرزايا الآتيِهْ..

هذا ـ عيناً ـ ما يعيشه الشيعة حين يُتوفّى أحدهم.. تتراجع مصيبته لتتجدد مصيبةٌ من مصائب العترة التي لا تُنسَى، بل تُنسِيْ ما عداها..

وقد درجت العادة ألا ترقص العذراوات في الدّور، بل مخصوص بالمتزوجات، من محارم المتوفّى فحسب.

ومن هذا الطقس الجنائزيّ جاء الدعاء للبنت “عساشْ ترقصي في دوري”، وهو يُضارع “تقبرني” في الشام، و “الله يطعني عنك” في عسير السعودية. والمفاد، في هذه الصيغ، هو أن يموت الداعي قبل المدعو له.

لكن “عساشْ ترقصي في دوري” يتّسع لـ:

1 ـ طول عمر المدعو لها، وزواجها، إذ لا يمكن للعذراء أن ترقص حتى في دور أبيها.

2 ـ طول عمر الداعي أيضاً، خاصة إذا كانت المدعو لها طفلة.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com