راضي درويش.. إيقاعي خليجي لم يسد فراغه أحد بدأ مع هواة القطيف وانضمّ إلى فرقة الجيش وضبط إيقاع أغاني كبار الفنانين

عايش أجيالاً متعاقبة من طارق عبدالحكيم إلى رابح صقر

فريق التوثيق
حبيب محمود، علي أبو الليرات، علي آل شيف، فاطمة المحسن

في ديسمبر 1998؛ توقّف إيقاع قلب راضي درويش، في العاصمة الرياض، عن عمر يناهز الـ 56 عاماً. رحل الإيقاعيّ الخليجي الموصوف بـ “الشهير”، تاركاً وراءه صمتاً معلوماتيّاً لسيرته الفنية التي شارك فيها كبار الفنّانين والموسيقيين السعوديين، بدءاً بطارق عبدالحكيم، مروراً بطلال مداح وبمحمد عبده، وصولاً إلى جيل عبدالمجيد ومحمد عمر وعلى عبدالكريم ورابح صقر..!

توارى اسم راضي درويش عن المشهد، بُعيد أيامٍ من رحيله، على الرغم من الضجة الإعلامية التي واكبت حدث وفاته المفاجئة. وبعد مُضيّ أكثر من عقدين على رحيل هذا العلَم الفنّي؛ أصبح الإيقاعيّ الكبير نسْياً منسيّاً، إلا في ذاكرة من تعاملوا معه. ولا أثر له في أية مدوّنة معلوماتية فنية مُتاحة يمكن الرجوع إليها.

 

بيئة عازلة

نشأ راضي درويش في بيئةٍ وضعت معاقري الفن والموسيقى في منطقة معزولة في النظرة الاجتماعية. أمضى سنوات شبابه الأول هاوياً ضمن مجموعة من شركاء هذا الهوى. أجاد عزف العود والكمنجة، لكنّ مهارته الحقيقية تركّزت في الإيقاع الذي أجاده إلى حدّ العبقرية. وقد منحته هذه الموهبة فرصةً وظيفية في وزارة الدفاع، فالتحق بالفرقة الموسيقية العسكرية بوظيفة “عازف إيقاع”، في العاصمة الرياض.

فتح له وجوده في الرياض أفقاً جديداً ليُعيد كبار الفنانين اكتشافه، وانضمّ إلى فرقة التلفزيون، وجمعية الثقافة والفنون، وهكذا وجد نفسه عضواً أساسياً في أداء موسيقى أغانٍ لقامات فنية أمثال طارق عبدالحكيم وطلال مداح. غيرت إقامته في العاصمة حياته كلّياً. ذلك الشاب الذي كان يُدلّل في قلعة القطيف والعوامية بـ “رضّاوي”؛ أصبح إيقاعياً مرموقاً، يُطلَب في المحافل الفنية من قبل كبار المطربين، ويغيب عن أهله طويلاً.

 طرب العصاري

حسن العوامي

ويستذكر حسن بن السيد حسين العوامي راضي درويش من أيام طفولته في بلدة العوامية، فيقول “كنت ولداً صغيراً، لا يتعدي عمري ثماني سنوات، وفي طريقي من منزلنا داخل الديرة “المسورة” إلى البيت الذي أنشأه والدي – رحمة الله عليه – بالحجر البري والإسمنت في فريق المنيرة؛ كنتُ أسمع نغمات الطرب والآلات الموسيقية في منزل أخيه من أبيه جارنا المرحوم عيسى الدرويش (أبي عبد الواحد). وعندما كبرت فهمت أنهم يطربون وقت العصر عندما تغادر النساء المنزل لحضور “التسموع” في فريق آخر”. يضيف “ورأيت قبل عقدين رجلاً ذكياً مثقفاً ومحترماً، فعرفت أنه الكفيف الذي كان يغني معهم.. انه المرحوم غالب مدن من سيهات”.

في الجيش

أما التشكيلي ميرزا الصالح؛ فيقول “هذا الايقاعي المميز عازف الإيقاع الرائع الأستاذ راضي الدرويش، من بلدة العوامية وهو من أعز أصدقائي”. يُضيف “تعرفت عليه من خلال أبناء خالتي علي عبدالكريم قريش وأخوته حسين قريش المطرب الرائع وعبدالرؤوف وعبدالإله، وتعرفت عليه أكثر أثناء دراستي في معهد التربية الفنية. كنت أزوره في فترات كثيرة، كان يعمل في فرقة الجيش الموسيقية مع الفنان طارق عبدالحكيم”.

ميرزا الصالح

 فندق أصدقاء

كان بيت راضي درويش في الرياض أشبه بفندق أصدقاء للفنانين الآتين من المناطق البعيدة. يستقبلهم ويُضيفهم ويُمضي معهم أوقات السمر. كانت روحه “الشرقاوية” مرِحة، خفيفة ظل، حبّبت إليه أصدقاءه وزملاءه، وفتح أمامه فرص المشاركات النوعية. فحين زار الموسيقي المصري أحمد الحفناوي السعودية، منتصف السبعينيات، اختير راضي درويش للمشاركة في تسجيل مقاطع موسيقية لصالح التلفزيون السعودي. كما اختير ليكون عضواً مؤسساً في معهد الموسيقى الذي ثار حوله جدلٌ ولم يُكتب له الاكتمال والاستمرار.

 في بطن طبلة

“مولود في بطن طبل”.. هكذا وصفه صديقه الملحّن سعيد عبدالوهاب، وهذا الوصف قاله أحد الفنّانين المصريين حين شاهد أداءه في القاهرة مطلع السبعينيات. وقتها سافر الصديقان، راضي وسعيد، إلى مصر لتسجيل خمس أغانٍ. زارا ممثلين، مطربين، ملحّنين، موسيقيين، والفرقة الماسية الشهيرة ضمن الزيارات.

والعلاقة بين درويش وعبدالوهاب أقدم من هذا التاريخ، وتوثّق صورة التُقطت في أحد أعراس سيهات أن العلاقة تعود إلى أوائل الستينيات الميلادية، حيث ظهر درويش شاباً يعزف الكمنجة، وكذلك عبدالوهاب الذي ظهر طفلاً صغيراً. وقد ضبط درويش إيقاعات أغاني سعيد عبدالوهاب الأولى، خاصة تلك التي سجلها في القاهرة.  

نغم من إيقاع

وُصِف بأنّه أدّى مقاطع “صولو” بواسطة الإيقاع وحده. أي أنّه أدّى عزفاً نغميّاً منفرداً بواسطة “الطبلة” فقط. لكنّ إثبات ذلك يتوقّف على دليل مسجّل لهذا النوع من الأداء الخارق للعادة. ومهما يكن الأمرُ مبالغاً فيه؛ فإن مهارة راضي درويش غيّرت النظرة إلى “الطبّال” في الأغنية السعودية كلّياً. وبعدما كان يُوصَف بـ “المروّس”؛ بات يُعرف بـ “ضابط الإيقاع” أو “الإيقاعيّ”، وفرض مكانته عضواً في الفرقة الموسيقية، يطلبه كبار المطربين السعوديين في تسجيلاتهم وحفلاتهم.

مدرسة

لكن الفنان محمد عمر وصفه بأنه “مدرسة في فنون الإيقاع”، و “من الرواد، وكان من المعتمد عليهم في دوره”. يُضيف “أول تعامل لي معه كان في حفلة لجمعية الثقافة والفنون في الرياض، تحت رعاية الأمير فيصل بن فهد، تقريباً 1984، ورافقته ضمن وفد سعودي إلى القاهرة 1988، ضمن فعاليات معرض المملكة بين الأمس واليوم، ورافقته إلى العراق، دورة الخليج الثانية”.

 راضي درويش

علي الغوينم*

علي الغوينم

من أبرز وأهم عازفي الإيقاع في المملكة والخليج سعدت بالتعرف عليه عن قرب من خلال علاقته بفناني الأحساء أمثال: عبدالرحمن الحمد، ومحروس الهاجري، وعبدالله وعلي البريكان، وخالد الدغش، والراحلين سعد الخميس ومبارك السعيد رحمهما الله.

يتميز هذا الإنسان الفنان، خلافاً عن فنه، بخفة الظل، فلا تمل حديثه وخفة روحه. وكان يضفي الجمال في أي مكان يكون فيه، إضافة إلى كرمه. كان بيته في حي المربع بالرياض صغيراً، ولكن جدرانه مزيّنة العديد من الصور له وللفنانين أصدقائه، إضافة إلى بعض الآلات الموسيقية. كان بيته ملتقى لكل مشاهير الفن في السعودية، فجميعهم احتواهم هذا البيت فلا تشعر بغربة وانت بداخله نظرا لروح صاحبه المحبة للجميع.

راضي درويش كانت له جماهيرية كبيرة، رغم أنه ليس مطرباً بل عازفاً للإيقاع، وهنا الغرابة حتى أن الكثير منهم يحضر الحفلات التي يشارك فيها كبار الفنانين ليستمتع بعزفه المتقن على الإيقاع وليتابع قفشاته وخفة دمه مع الفنانين أثناء العزف. وكانت لديه كلمة يقولها أثناء المواويل أو العزف المنفرد لأحد زملائه على إحدى الآلات الموسيقية وهي “أويلاه”.. كان العديد من المطربين يطلبون منه أن يقولها وقد عرف بها.

عرفت راضي درويش رحمه الله محباً لفنه حريصاً على إتقان عمله وتعامله بحرفية كبيرة مع أصعب الإيقاعات والفنون المتعددة في المملكة بل وفي الوطن العربي.

ما زلت أتذكر تلك المقطوعة الموسيقية من نوع سماعي التي تفتتح بها برنامج استوديو رقم 1 وكان نوع الإيقاع صعباً من ناحية تعدد “دُمْ” و “تُكْ”، وكان يقوم به بمهارة بل ويساعد زملاءه على فهمه. وكان الكثير من الفنانين المشاهير كطلال مداح ومحمد عبده وطارق عبدالحكيم وعبدالله محمد يحرصون على وجوده في الفرقة لمعرفتهم بإبداعه، ولأنه مصدر اطمئنان لهم من ناحية الضبط الموسيقي.

راضي درويش تتلمذ على يديه العديد من العازفين المشهورين أمثال إبراهيم الناجم رحمه الله وخالد الدغش وعبدالعزيز الصقر وغيرهم.

رحم الله الفنان راضي درويش وأسكنه فسيح جناته.

*مدير فرع جمعية الثقافة والفنون بالأحساء.

لمشاهدة الصور كاملة في عرض كامل.. 

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com