سعيد عبدالوهاب.. 800 أغنية مدفونة في أشرطة الكاسيت أمسك بالكمنجة طفلاً، وسجّل أولى أغانيه في القاهرة سنة 1972، واكتفى بالعزلة

في مطلع السبعينيات؛ وجد طريقة للتواصل مع الملحّن الشهير سراج عمر الذي حاول مساعدته في الانضمام إلى جمعية الثقافة والفنون في جدة، لكن محمد الشدّي رفض. وقال “إذا افتتحنا فرعاً في الدمام فليسجّل هناك”. وهكذا ضاعت على فنّانٍ صاعد فرصة كان يحتاجها فعلاً.

ربما هذا هو سعيد عبدالوهاب الذي كان عليه أن يبقى فنّاناً بلا شهرة، ويستمر ملحّنا لا يُعرف من مئات ألحانه إلا آحادٌ غنّاها قلة من مطربي السعودية والخليج، أمثال علي عبدالستار وحسين قريش.

اسم مركب

يحمل سعيد عبدالوهاب اسمين: محمد سعيد، مركّباً، وهو الاسم الأصل. وسعيد مفرداً، وهو الاسم الفني والمعروف به. واسم عائلته الرسمي هو “العبدالوهاب”، في حين إن اسم شقيقه الشاعر الراحل هو عبدالوهاب حسن المهدي. هذا مُربك، والأكثر إرباكاً هو أن ثمة أكثر من اسم لأبناء عمومة هذه العائلة، بينها أبو اللّيرات، وهناك اسم “المجمّر” أيضاً.

اختار “محمد سعيد حسن المهدي آل عبدالوهاب” أن يكون “سعيد عبدالوهاب” فنياً له. وحين ضاعت عليه فرصة جمعية الثقافة والفنون بجدة؛ قرّر الاعتماد على نفسه. وفي عام 1972؛ سافر إلى القاهرة متأبّطاً حزمةً من أغانٍ كتب بعضها بنفسه، ولحّنها كلها وحده. وفي القاهرة؛ أدّاها بصوته على حسابه الخاص، وعاد إلى بلاده حاملاً 5 أغانٍ في أسطوانته الخاصة، متفائلاً بإذاعة أغانيه عبر الإذاعة السعودية.

 

إحباطات أولى

لكنّ الشاب المتفائل لم يجد طريقه معبّداً بالسجاد الأحمر.. ولا حتى بـ “مدّة أسل”. على العكس من ذلك؛ واجه مساءلة ليست سهلة حول أغنيته “بس حلال عليكم” بعد عرضها على الإذاعة. فُسّرت الأغنية على غير ما كانت تعنيه من عتاب العشاق. مرّت المساءلة بسلام في النهاية، إلا أنها ليست أول الإحباطات.

وكان يمكن للإحباطات الأولى أن تكسر عوده و “درنقته” في داخله. وهذا ما لم يحدث. مضى سعيد عبدالوهاب في طريقين متوازيين، أحدهما في “بترومين” حيث يكسب رزقه ويؤمن كرامته، والآخر طريق الفن والكتابة والتلحين والغناء. وبعد أكثر من خمسة عقود، تجمع عنده قرابة 800 أغنية جاهزة للأداء، لم يُغنَّ منها إلا بضعُ أغانٍ، بصوت حسين قريش وعلي عبدالستار، علاوة على الأغاني التي أدّاها بنفسه، وسجّلها واحتفظ بها في أرشيفه الضخم من أشرطة الكاسيت.

أغاني الصحوة

ربما لم تخدم المرحلة التي عاشها سعيد عبدالوهاب موهبته بما يكفي. ويطال ذلك أبناء جيله من معاقري الموسيقى والغناء. جمعيهم وجدوا أنفسهم في مجتمع انعطف ـ فجأة ـ صوب مزاج تديُّن صارم، بمجرد تخطّيهم عام 1400، 1980..!

حتى تلك المظاهر المحدودة في الأعراس؛ كادت تختفي، ولم يعد الناس يقبلون المغنّين في الأفراح، مثلما كانوا في السبعينيات فما قبل. السنوات التي يصفها السعوديون، اليوم، بـ “مرحلة الصحوة”، لدينا ـ في القطيف ـ نسخة تُشبهها تماماً، ولكن بإصدار وتفاصيل “شيعية”. ومثلما تراجعت الفنون السعودية في موجة التديّن العارمة؛ عاشت القطيف تراجعاً في الفنون الموسيقية والأدائية عموماً، لصالح الأدب الذي لم ينجُ، هو الآخر، من تأثيرات الموجة الجديدة، وتلبّسه ـ شعبياً ـ بطابع “الصحوة” المنبريّ. ولذلك؛ انتشرت احتفالات الأدب الدينية، في الموالد والوَفَيات، وسائر المناسبات الموازية.

ولا يمكن لفنّان موسيقي، مثل سعيد عبدالوهاب، أن ينال القدر الكافي من التقدير الاجتماعيّ في مثل هذه الأجواء. إلا أن ذلك لا يعني انطفاءه، ولا يمكن لموهوبٍ حقيقيّ أن يجفّ في الصحراء العاذلة، مهما اشتدّ القحط. الفنان الحقيقي عاشقٌ، والعاشق لا يزيده العذل إلا إمعاناً في الغواية.

 

صوت يشيخ

في 2010؛ حلّ سعيد عبدالوهاب ضيفاً على مجموعة من المثقفين في سهرةٍ مفتوحة احتضنتها استراحة في بلدة الجش. في تلك الليلة؛ صعد على المسرح وأدّى بعض أغانيه. وبقدر ما كان أداؤه طرياً ومؤثراً؛ كلمةً ولحناً، أظهر صوته شيخوخة مختلفةً عن صوته الشاب في شريطه.

 

يوتيوب

في مايو 2016؛ زرته حيث يسكن في حي المزروع. كان هدف الزيارة؛ جمع معلومات عن الإيقاعي السعودي الراحل راضي دوريش، بوصفه من أقاربه وأحد أصدقاء فنه ومسامراته. قال عبدالوهاب ـ ليلتها ـ إن آخر عمل جمعهما هو أغنية “خلّي السفر يا خِل”، وهي إحدى أغنيات شريطه الوحيد الذي انتشر في الثمانينيات. تفرّع الحديث عن الإيقاعي درويش، مروراً بتجربة سعيد ذاتها. إحساس العزلة الذي يفضّله، مكتفياً بحياةٍ محدودة المطامع والمطامح. مئات من الأغاني ما تزال “مدفونة” في أشرطة الكاسيت التي لا يمكن الوصول إليها بعد انقراض الأجهزة التي تشغلها. قال إنه حوّل قليلاً منها إلى ملفات رقمية. أعطاني 15 أغنية، 5 من أسطوانته التي سجّلها في القاهرة، والعشر الأخريات من شريطه الآخر، وبعضها أغاني الأسطوانة نفسها، ولكن مؤدّاة بالعود والإيقاع.

ولأن هذه الأغاني معروفةٌ له على نحو واسع؛ أذن بنشرها إليكترونيّاً، وهي الأغاني نفسها الموجودة في قناة sobra Newscom التابعة لـ “صُبرة”.

حبيب محمود

سعيد عبدالوهاب المجمر، فنان منذ نعومة أظفاره، حكاية من حكايا بلادنا المعجونة بالطين والمسورة بالتاريخ والديانات، هنا.. يشارك المجمر في العزف مع فرقة في عرس في مدينة سيهات وتحديدا في عرس أحمد عبدالنبي مدن آل حجي “أبو نضير” في أوائل الستينات..
هذا الصبي ، أصبح فنانا كبيرا وله أكثر من مئات الألحان ويعيش عزلته التي اختارها.
الصورة مهداة من الصديق والأخ أبو هشام جعفر النصر.. 

حسين الجفال

فيس بوك، 31 أكتوبر 2013

سعيد عبدالوهاب
  • من مواليد القطيف سنة 1374هـ.
  • بدأ حياته الفنية صبيّاً، ورافق هواة الموسيقى في القطيف منذ أوائل الستينيات.
  • التحق بشركة “بترومين”، واستمرّ فيها بعد دمجها بأرامكو السعودية، ثم تقاعد.
  • سجّل أول أسطوانة له سنة 1972، في القاهرة.
  • لحّن أغانيَ من كلمات شعراء معروفين سعودياً، أمثال: إبراهيم الغدير وعلي عسيري وعلي المصطفى ومحمد الخضيري ومحمد المنصور، علاوة على كلماته هو شخصياً.

لسماع إغاني سعيد عبدالوهاب، يُرجى زيارة قناة sobra Newscom التابعة لـ “صُبرة”.

‫2 تعليقات

  1. زرت القناة في اليوتيوب ولم أجد المقاطع. أجد أن الأفضل إظافة رابط القناة أسفل التقرير يكون سهل الوصول لها.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com