المشي مع نسوة الماء

أثير السادة*

 

 في زحام المعرض، وخطوات العابرين إلى ضفاف الصورة، تطمع بأن تسمع ما يستيقظ من خواطر وأسئلة وذكريات عند الزائرين وهم يقطعون المسافة الزمنية الفاصلة بين الأمس واليوم، تلك المسافة التي ننساها في لحظة الفرجة ونحن نحاول بناء جسور من المعنى نعالج بها أعراض النسيان أو الغياب..فليس ما تؤججه الصورة واحدا، وليس ما يحمله هذا التماس بالنظر مشتركا عند العابرين.

كان المكان مرتباً بنحو يهب الناس سياقاً حكائيا مفترضاً، لرحلة يومية لا مائز لها بالإمس، سوى حظوتها بعناق الضوء أمام الكاميرا التي رفعتها إلى أرفف الذاكرة، صورة ساكنة غير أنها تصبح بشيء من التقصد والعمد فعلا متحركا وممتدا بطول مساحة المعرض، فثمة نسوة وصبية يمشون ويستريحون وينشغلون باتمام فروضهم اليومية، ونحن نمشي معهم متأبطين دهشتنا وغربتنا معاً، بينما آخرون كانت لهم بمثابة العودة إلى دفاتر الطفولة، وعباءة الأمهات.

كان العابرون إلى ذاكرة الماء نصوصاً أخرى في لحظة التأويل، كل واحد منهم يطمع في أن يكتب من هذه الصورة سيرة لبلدته، قريته، سيرة لعائلته التي نمت على ضفاف الماء، تحاول أن لا ترسم طريقاً واحداً للذاكرة، تفتح الباب على مصراعيه لانتخاب المعاني التي تتسلل من صور لا تخلو من التكرار، لكنها أيضاً لا تخلو من هوامش الاكتشاف، الرجل الذي فتح باب ذاكرته عند مطلع الصور فكاد أن يجهش بالبكاء كان دليلنا على أن الصور ليست فارغة، يتنهد بين الصورة والصورة، يذكرنا بأن تلك المرأة التي تجمع خطواتها في عجل تحمل على رأسها طعام زوجها في النخل، يتفقد النسوة داخل الصورة، كمن يتفقد ظله وظل والدته يوم كان صبياً يركض في اتساع النخيل.

حتى الذين صمتوا أمام حقبة لم يعرفوها، وماء لم يغرفوا منه، كانوا يسيرون على صوت النسوة في شهاداتهن، يرممون ذاكرة مفقودة، قبل أن يجمعهم الفضول على أطراف خارطة الماء، يسندون ظهورهم إلى الوقت، ليخيطوا سيرة أخرى لمكان لم يعرفوه بالتمام، أصابعهم تشير بفرح لقرية مسورة بالعيون، وأخرى تظللت بأعناق النخيل، كمن يقطف ثمرة في خارج موسمها.

المشي مع نسوة الماء في معرض خطوات يذهب بنا إلى أفعال الماء في المكان والإنسان، ثمة تعب لا نراه، ومثله فرح لا نلمسه، إلا حين نقترب بحواسنا من هذا الزمن الذي مر، ونقلبه على مجمر الذكريات، فشكرا لكل الذين مشوا إلى هناك، وتركوا لنا عواطفهم وانطباعاتهم، مقترحاتهم ودعواتهم، وكل الذين حملوا النية للوصول.

_______________

*من صفحته على الفيس بوك

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com