مطر فبراير يُربك الدراسة.. ويُفسد موسم تلقيح النخيل رُومانسية الجو لا تحرك فرح الفلاحين

القديح: صُبرة

ليست الدراسة وحدها ما يتعرّض لارتباك من أمطار اليوم، بل يمتدّ الارتباك إلى قطاع زراعي مهم، هو قطاع النخيل. ويمكن للأمطار التي هطلت في الساحل الشرقي السعودي، خلال الساعات الماضية، أن تُلحق أضراراً ليست يسيرة بهذا القطاع، خاصةً أن موسماً حسّاساً جداً يحلّ في شهر فبراير الجاري، هو موسم تلقيح النخيل، المعروف ـ محلياً ـ بـ “التنبيت”…!

أمطار فبراير

لا يُخفي عبدالجبّار آل مرار تذمّره من مطر اليوم. رومانسية الجو لا تعنيه، ولا يُحرّك منظر السماء الملبّدة بالغيوم طربه. وفي نخله “أم الخير” الذي يعملُ فيه، لملم أشياءه وصحب ابن أخيه “حسن” وغادرا المكان قبل أن تُسلّم الشمس نفسها لأصيل النهار. غادرا النخل وتركا “صادق” ليُنهي أعمال حرق النفايات التي خلّفتها أعمال “الترويس”.

باختصار؛ كان يوم عملٍ ناقصاً، أعاق المطر استكماله، وأنهاه قبل تمامه…!

لأسبابٍ عملية؛ لا يُرحّب الفلاحون في القطيف بأمطار فبراير. إنه موسم تلقيح النخيل “التنبيت”. قبل أسابيع قليلة؛ حلّ موسم “الترويس”، وأمضى “الشواغيل” أعمال تنظيف رؤوس النخيل وتجهيزها لموسم 2018. مئات الآلاف من النخيل، تحصل على لقاحها يدوياً في أعمال “التنبيت” التي بدأت قبل أيام. حسب صادق آل مرار؛ فإن هناك نخيلاً أطلعت مبكراً جداً، واضطرّ فلّاحون إلى “تنبيتها”. بعضها من أصناف وسط الموسم، مثل الخلاص. وتأخير “التنبيت ـ التلقيح” قد يُضرّ بالإنتاج. وحسب إفادات أُخرى؛ فإن صنف “الغُرَّهْ” أطلع بعض نخيله قبل قرابة الشهر. هذا يُشير إلى أن موسم “التنبيت” تعجّل هذا العام، ولا بدّ من التصرُّف.

 نجوم السعود

الفلكي سلمان رمضان

يقول الفلكي سلمان الرمضان إن “طالع سعد بلع” بدأ أمس الجمعة، ويستمر 13 يوماً. “ويعرف عند أهل الحرث بالعقرب الثانية وهو من النجوم اليمانية”، طبقاً لموروث العرب القديم. يُضيف “ويكثر فيه المطر، ولذا تعرف هذه النجوم بالسعود”. ولكن هذا التفاؤل ينسجم وحياة عرب البادية الذين يؤدّي المطر في حياتهم دوراً حاسماً. إنهم يحتاجون إلى ريّ الصحراء ونبات الكلأ في الرعي. كما تحتاجه حواضر الزراعة المعتمدة على السيول، ويتم تجميع مياهه بواسطة السدود الضخمة أو “العقوم” البدائية.

ماء العيون

المطر، في تلك المناطق، هو المصدر الأهم في ريّ المزروعات. والأمر يختلف كثيراً في شرقيّ المملكة منذ آلاف السنين. الموروث الشعبي الريفي والبحري، في شرق المملكة، لا يرى في المطر إلا “بركةً ورحمة”، وهو محبوبٌ حين يهطلِ “ديَمةً” خفيفةً تُطهّر الأرض من آثام الناس. أما غزارته؛ فهي غير مرحّبٍ بها ألبتّة. لا حاجة له أصلاً. النخيل والمزروعات تُروى من المياه الجوفية الآتية من العيون المنتشرة في القطيف والأحساء. الماء يجري على مدار العام، بل على مدار الساعة سِيحاً، وتتقاسمه النخيل في حصص تعارفوا عليها.

وحين جفّت عيون الماء الجوفية؛ حلّت العيون الارتوازية مكانها. ليبقى المطر في موقعه غير المرحّب لهذا السبب، ولسبب آخر، هو الإضرار بالنخيل في موسمٍ دقيق وحسّاس.

 تضرر اللقاح

يقول صادق آل مرار إن أكثر النخيل تضرّراً هي التي لُقِّحت خلال الأيام القليلة الأخيرة. ويشرح آل مرار قوله بأن ما يحدث هو أن غبار الطلع ما زال طرياً في العذوق الملقّحه. هطول المطر يغسله من العذوق. أي كأن النخلة لم تُلقّح، أو لُقَّحت بشكل رديء. ومن نتائج ذلك هو ظهور ثمار النخيل “شيصاً” أو “اعْمور”، وكلاهما لا يصلح إلا علفاً للبهائم.

صادق آل مرار

وحسب آل مرار؛ فإن هناك أصنافاً لا تتأثر غالباً بالمطر، مثل صنف “البكيرات”. هذا الصنف مبكّر في النضوج، ويُجنى رطبه في أواخر يونيو بعد صنف “الماجي”. ونخلة “البكيرات” سخية، وقد لا تحتاج إلى “تنبيت” يدوي، بل تكتسب لقاحها عبر الرياح.

بالمقابل؛ هناك أصناف حسّاسة ومتطلبة في التلقيح، مثل “الخلاص” الذي يتأذّى فعلياً من المطر، وقد يحتاج الأمر إلى إعادة تلقيحه لضمان إنتاجه.

 

تعليق الدراسة والتنبيت

ويبدو أن توقعات الفلكيين، قد صحّت، فنحن نعيش “حالة مطرية تتوسع مناطقها في نهاية الأسبوع (اليوم) ومطلع الأسبوع المقبل بحيث قد نعيش أسبوعاً ممطراً قد تكون غزيرة أحياناً”، حسب سلمان الرمضان. وجاء تعليق الدراسة، غداً الأحد، ليتزامن معه تعليق أعمال “تنبيت” النخيل أيضاً. إذ لا يمكن تلقيح عذق مبلل بغبار طلعٍ جاف.

على الفلّاحين أن ينتظروا، ويوفّروا جهدهم إلى أن “تصحو الولْمَهْ” وتخرج الشمس إلى العلن. وحتى ذاك؛ سوف ينصرف الفلاحون من نخيلهم مبكراً، كما فعل اليوم عبدالجبار آل مرار وابن أخيه “حسن”.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com