الراحل سريعاً عن عالم البغضاء

زكي الشيخ عبدالكريم الخنيزي

بُعدًا ليومك في الزمان فإنه

أقذى العيون وفت في الأعضاد
لا ينفذ الدمع الذي يبكى به

إن القلوب له من الإمــــــــــــداد
ما مطعم الدنيا بحلوٍ بعده

أبدًا ولا ماء الحيــــا ببــــــــــراد
ضاقت عليّ الأرض بعدك كلها

وتركت أضيقها عليّ بــــــلادي
لك في الحشا قبرٌ وإن لم تأوه

ومن الدموع روائحٌ وغـــوادي

لله أنت أيها الشريف الرضي – رضي الله عنك – لقد ترجمت ما في نفسي من حزنٍ وألم ومعاناةٍ وحرقه قبل أن أخرج إلى الدنيا بمئات السنين، وكانت هذه الأبيات المختارة أكثر إنطباقا ً بعد فقد قرة عيني ولدي العزيز الغالي الشيخ علي.

لقد رحلت سريعا يا ولدي فلم تطق البقاء في عالم الآثام والبغضاء، لكن رحيلك خلّف في قلبي جرحاً لازال وسيضل ينزف دمًا، وما التي قتل وحيدها في حجرها بأكثر حزنًا وألمًا مني فإنه لا يكاد يمر يوم دون أن تنهمر عيني بالدموع عليك لوعة وحسرة، فإن فراقك قصم ظهري وأفقدني الأنس والسرور وكما يقول النظام البلخي (لو كان للفراق صورة لارتاعت لها القلوب وانهدت لها الجبال).

وإن مكانا في الثرى خط لحده

لقد كان من قلبي بكل مكاني
أيا من أمنيه المنى وأعده

لعثرة أيامي وحرب زماني
ويامن إذا ما جئت أكرم مجلسي

وإن غبت عنه حاطني ورعاني (1)

نعم بالرغم من مرور سنوات على رحيلك يا ولدي فإن ذكرك على لسان أحبائك وصلتهم لك وزيارة قبرك لم تنقطع، فأنت الغائب الحاضر وهم يستذكرون أحاديثك ولطفك وطيب خلقك وجميل صفاتك وحسن فعالك. قليل من الناس من يحظى بمثل هذا الاهتمام، وإن بعضهم يطلبون صورتك على الورق ليمتعوا نظرهم بها بعد أن توزعت على القلوب ولسان حالي وحالهم يقول:

قبر عزيز علينا

لو أن من فيه يفدى
أسكنت قرة عيني

ومهجة النفس لحدا
ما إن أرى لي عليه

من التوجع بــــــدا (2)

فهم لم يروا فيك خفة في العقل أو سذاجة في التفكير والوعي أو فحشا في القول أو شراسة في الحوار أو بذاءة في اللسان أو كذبا في الحديث أو تهاونا في الدين وأحكام الله أو زهوا وغرورا أو خلفا لموعد أو تقلبا في المزاج أو إقبالا وإدبارا كما يفعل مرضى النفوس أو أي شيء من الصفات الذميمة، بل كنت كما عبر عنك بعض أحبائك تكاد تبلغ حد الكمال وكنت تردد أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
فهذه صفات من يدخل القلوب بلا استئذان ولا ينسى وإن طال الزمان.
كنت أنيس المحضر ظريف المنادمة تسرع البشاشة إلى وجهك منشرح الصدر كتوما لما تعاني من آلام وأوجاع، وكنت في قمة التواضع والصدق وعفة اليد واللسان منظم الوقت في العمل والدرس والتدريس والمذاكرة وعيادة المرضى وزيارة الأرحام وارتياد مجالس العلم، ومستقبلا لزوارك في مجلسك ومواظبا على حضور مجالس الذكر تفرح لفرح آل محمد صلوات الله عليهم وتحزن لحزنهم وتلك نعمة كبرى.
لم تقل نورا وتفعل ديجورا بل صنت نفسك عما يدنسها فهل غير الفؤاد لك قبر..؟
وقد شاء الله سبحانه أن ينقلك إلى دار الخلود بجوار سادات الخلق محمد وآله الأطهار صلى الله عليهم أجمعين محمود السيرة نقي السريرة. طويت تلك الصحيفة البيضاء وأنت في عنفوان الشباب وميعة الصبا وما عند الله خير وأبقى. لكن النفوس لفراقك حسرى والقلوب حرى.

لك يا حبيبي في القلوب منازل

عوضك الله يا ولدي عن شبابك الغض ومعاناتك ما تقر به عينك من الروح والريحان وجنة نعيم، فاهنأ يا ولدي بجوار سادات الخلق شفعائك صلوات الله عليهم أجمعين.
نسأل الله سبحانه أن يسكن من قلوبنا سورتها ويطفئ عنا فورتها.

ألا في سبيل الله قلب تقطعا

وفادحة لم تبق للعين مدمعا
أصبرا و قد حل الثرى من أوده

فلله هم ما أشد و أوجعا
فيا ليتني قدمت للموت (قبله)

وإلا فليت الموت أذهبنا معا (3)

و عند الله نحتسبك يا قرة عيني ويا ثمرة فؤادي فرحمك الله رحمة الأبرار ورحم أسلافك الأطيبين وصديقك الدكتور سيد ياسر السيد أحمد العوامي، ومن فقدنا من الأحباب والأصدقاء جمعنا الله وإياكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وإنا لفقدك يا ولدي لمحزونون وعلى مثلك فليبكي الباكون.
حليف الحزن والأسى

والدك زكي الشيخ عبد الكريم الخنيزي

(1) لمحمد ابن الزيات
(2) لشاعر قديم
(3) للمختار المسبحي

‫2 تعليقات

  1. يا صاحب الخط الجميلِ وعذوبةِ اللفظ المقولِ والراجحَ العقلِ الكبيرِ وآيةَ الخلق النبيلِ لم أنسَ بسمتك التي تضفي السرور على الخليلِ ما أنصف الدهر الخؤو نُ ؛ ألَمَّ بالخطب المهولِ فتركتنا ما بين ثكلانٍ وفاقدةٍ ثكولِ يا ليتنا كنا فدا ك ، وإنه لمن القليلِ أفجعتنا ، فالجرح با قٍ برؤه كالمستحيلِ آمالنا خابت ، فلا أملٌ ، وإنا في ذهولِ والله يرحم تربةً ضمتك من بعد الرحيلِ

  2. إن هذه الأسطر – لا السطور – أبكتني ، وأوجعتني وآلمتني ؛ فإن الشيخ عليًّا الخنيزي الذي فجعتُ فيه وأصبت به – كما فجع فيه وأصيب به أبواه اللذان أحبهما في الله تعالى – كان ابني الروحاني ، وكان يحبني كما أحبه ؛ بل لعله يحبني أكثر مما أحبه ؛ ذلك : أن قلبه أكبر من قلبي ، وصدره أشرح من صدري ، ونفسه أعز وأكرم من نفسي . وإني – والله الذي لا إله غيره ! – تذكرت به جديه : أبا الحسن ، وأبا عبد الكريم – قدس الله نفسيهما الزكيتين . وقد أملتُ ورجوتُ أن يكون ثال العلييْنِ ، فيشهد التاريخ والعالم أجمع أن القطيف – حرسها الله تعالى ذكره – قد مر بها ثلاثة من العليين رفعوا رأسها عاليًا ، حتى بلغوا بنا ( بيتًا دعائمه أعز وأطول ) ؛ ولكن لله الأمر من قبل ومن بعد!! اللهم ؛ لا اعتراض ؛ فأنت الحكم العدل ، تحكم ما تشاء ، وتفعل ما تريد!!! كنتُ أورد عليه بعض (الإشكالات ) التي أتخيرها له من عويص النحو والصرف ، فكان يجيب عليها بما أرضاه وأقنع به . فرأيت فيه – إن يبقه الله تعالى – عالمًا عَلَمًا ؛ ولكن !! لعلنا قصرنا وطال تقصيرنا ، وتركنا لجوءنا إلى الله تعاى ، فعاملنا بما نستحق ، ونزع منا بركة (الشيخ علي الخنيزي الثالث ) ، ولا راد لقضاء الله تعالى . والسلام على من اتبع هدى محمد وآله : صفوة خلق الله ، ورحمة الله وبركاته .

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com