[مقال] الشعار الأخير لنادي الخليج ..تعقيبات على هامش السجالات

أثير السادة

حين الحديث عن جيل الشباب فنحن لا نتحدث عن هوية عمرية فحسب، بل هوية ثقافية، لها سماتها وطرائق تعبيرها، شواغلها وأسئلتها، هم ينتسبون لذات القيم الاجتماعية التي ينتجها المجتمع، لذلك هم مرتبطون بالمكان من هذا الجانب، يرثون منه لغته وسحنته، لكنهم يستعيرون من زمانهم الكثير من أسئلته، يذهبون إلى الحياة بذاكرة متخففة من الماضي،إلا ما يضغط باتجاهه المجتمع، وجيل اليوم المنفتح على الكون كله يملك هويات أوسع، هويات تتجاوز القوميات، والأديان، والحدود الجغرافية، لتجعل منهم كائنات تحمل شبهاً بعوالم إنسانية متناثرة على الخارطة.

في الهوية ينطلق الفرد منا من سؤال بسيط دائماً: من أنا، ويلحقه بسؤال آخر، من نحن، باعتباره طرفاً في جماعة، ومن هنا يصبح السؤال عن الهوية هو سؤال عن الهوية الاجتماعية بالدرجة الأولى، الجماعة التي ستحدد اتجاهاته الدينية واللغوية والثقافية وحتى الجغرافية، فهو إبن مكان، سيكبر فيه، ويمتلئ بصوره، ويرسم من خلاله طرق حياته.

سينمو هذا الاحساس بالهوية الاجتماعية كلما كبر الواحد منا، وراح يؤسس للعلائق الاجتماعية، ويوسع من حدود صداقته مع المكان وناسه، سيمضي إلى الألفة مع النظام الاجتماعي بكل تفاصيله، لتصبح هذه الهوية جواز عبوره للعالم، وأداة في المقابل للتمييز بين الذات والآخر، بين الجماعة والجماعة الأخرى، فالهوية في جوهرها فعل تصنيف وفرز وتحديد، وفعل قولبة أيضاً، أي وضع الذات في قالب له ملامح وأبعاد معينة، وهنا يتداخل الثقافي بالاجتماعي، والتاريخي بالجغرافي، لأنها في المجمل مؤثرات واضحة في صياغة الهويات.

في السجالات التي دارت حول شعار نادي الخليج الأخير، تكرر الحديث عن الهوية، فحتى إدارة النادي قد وصفت الشعار الجديد بأنه “الهوية البصرية الجديدة”، أي أنه شكل من أشكال التعبير البصري عن هوية النادي، وهنا نتحدث عن ناد رياضي، أي أننا لا نقارب شعارا يحاول أن يعكس هوية فكرية أو سياسية ما، وإنما ينشغل بالبحث عن مفردات تختزل صورة النادي كناد رياضي بالدرجة الأولى ، و صورة المكان الذي كان الدافق لإنجازاته والداعم لوجوده.

كان البارز في تلك الأحاديث والسجالات هو تشديدها على تعابير متناثرة لكنها تقترب من سؤال الهوية، “هوية النادي”، هويتنا، “هوية المجتمع”، يستدركون ويستنكرون ابتعاد التصميم الأخير عن وصف “الهوية” بالطريقة التي يعرفونها، حيث تكرر الوقوف على مفردتي “البحر” و “السفينة” باعتبارهما الإشارات الأكثر دلالة على المكان، وهنا جرى الانشغال بوصف هوية المكان أكثر من النادي، وبات الشعار وكأنه منذور لوصف المدينة وليس المؤسسة الرياضية التي مر على وجودها أكثر من سبعة عقود.

تنازع المتخاصمون حول ما ينبغي أن يصفه الشعار وكيف عليه أن يصفه، حيث تجاوز السجال مسألة مجرد وصف الهوية إلى كيفيات وصفها، ولأن الخطاب السائد يذهب إلى استدعاء البحر والسفينة كعناوين واصفة لهوية المكان، سيبدو الاحتجاج كثيفا في شأن حضور وغياب هذه المفردات، وضوحها وضبابيتها، تقدمها وتأخرها في الشعار الجديد، حيث السفينة والبحر عناوين دالة على “قيم وثقافة وتاريخ” على حد وصف المعترضين، وعليه لن يبدو بالنسبة لهم من المقبول حصر البحر في إحالة رمزية لشكل شراع يتماهى مع جناحي النسر الذي يبدو الهوية الأوضح في بنية الشعار!.

كلا الفريقين المتخاصمين حول الشعار يذهبان إلى التاريخ للتعريف بهذه الهوية التي يريدون من الشعار استحضارها، فإدارة النادي والجهة المعتمدة للشعار وجدت في استدماج النسر تذكيراً بجذور هذا النادي ومداً للجسور بين حقب متتالية من العمل الجاد فيه، بينما ارتأت الأصوات المعترضة أن تستحضر الماضي عبر السفينة والبحر الممتد ، كدلالة على السيرة الأولى لبلدة كان أهلها يجوبون البحر بحثاً عن الصيد و اللؤلؤ في حقبة ما قبل النفط..

ستضخم التحولات التي طرأت على بيئة البلدة وتكوينها الاجتماعي والاقتصادي في العقود الأخيرة من سؤال الهوية إياه، وسيحرص الناس أكثر وأكثر على مد الجسور مع ماضي البحر، ومحاولة جعلها ذاكرة طرية وحية، فغياب الأسياف وانقطاع مراكب الصيد عن الساحل جرد المكان من صورته الأثيرة، وباتت هوية المكان بحاجة إلى إعادة صياغة، صياغة تحصن فيها الجماعة ذاتها، وتعيد رسم الحدود والفوارق بينها وبين الجماعات الأخرى..لذلك سيتبدى الشعار حالة تعويضية للكثيرين من الذين يخافون على هويتهم من التفتت بعد تلاشي صورة/هوية المكان على أرض الواقع، يريدون منه أن يتماس مع تصوراتهم عن الذات/الجماعة، والتي لم تغادر صورة البحارة المغامرين في عباب البحر.

سيتناسى الفريق المعارض وهو يقدم مرافعاته بأن النادي مؤسسة رسمية لها هويتها، وهي هوية مستمدة من أعراف وتنيظمات واجراءت تقررها الجهة المنظمة لنشاطها، وأنها تبحث في الشعار عن ما يعزز من مرجعيتها تلك، ويذكر بصورتها الرياضية، قبل الاجتماعية، من دون قطعها عن السياق الاجتماعي الذي يرسم حدود حراكها وتطورها..لا يمكن في أعراف هذه المؤسسة أن تذهب مثلاً لعموم الناس لترشح رئيساً للنادي أو مجلس إدارته، لوجود سياقات تنظيمية تفرض شروطها في هذا الإطار، وبالمثل هو الشعار الذي جاءت بعض الأصوات مطالبة بعرضه لتصويت عام، وفي ذلك إشارة دالة على الخلط بين كونه شعاراً للنادي وافتراضه كشعار للبلدة!.

هذه الحقيقة التي تقفز عليها الكثير من الحوارات وهي تدشن لمساجلات عاطفية حول الشعار وما ينبغي أن يكون عليه، هي العتبة الأولى التي يمكن أن تعيد موضعة الحوار حول الشعار في سياقه الصحيح، فالمشكلة لم تعد مقتصرة على جودة الشعار وجدارته في التعبير عن النادي، بل باتت عنواناً لهذا الارتباك في إدراكنا لوظيفة الشعار، بل وظيفة النادي، وعنواناً لذلك القلق المتنامي لتفتت صورة المكان/الجماعة التي لم تعد تجد مايكفي لتعزيز خصوصيتها وتمايزها.

والمحصلة أن النادي قد تبنى الذهاب إلى الماضي على مستوى مفردات الشعار، فيما اتكأ على الشكل والصياغة في محاولته للاقتراب من المستقبل، هذا المستقبل الذي لم يبخل النادي بالكشف عن خصوصياته، وتطلعاته، وأحلامه المغايرة، ليصبح الشعار بكل حمولته الدلالية الدليل على هوية في طور التحول.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com