في وداعية الزميل “سفر”.. المسافر إلى العالم الآخر..

حبيب محمود

في يوم حار من أيام سبتمبر 2006؛ عاد المصور يحيى القحطاني من مهمة تصوير أحداث “بنده”، حيث سقط إرهابيان في مواجهةٍ خاطفة عند تقاطع شارع الملك سعود بالشارع الأول (طريق الأمير محمد بن فهد حالياً). أفرغ يحيى الصور في النظام. جئنا نفرزها.

هنا وضع سفر العزمان إصبعه على صورة أحد القتيلين، وقال “هذا فلان”.. من قائمة الـ 36″. ثم اندهش من صورة أخرى “كيف سمح لكم بتصويره حتى وهو ملثّم..؟ هذا ضابط”..!

من المدرسة إلى مكتب “الوطن” في الدمام.. على هذه الرتابة كان جدول سفر العزمان يسير يومياً. وحين يصل، كعادته، يلتصق بمكتبه وهاتفه وجهازه. وقبل انتصاف العصر؛ يقدّم تقاريره اليومية، قبل أن ينصرف لشؤونه الأخرى.

شابٌّ عسيريٌّ ربّته قرية اسمها “باهوان”، وبعد تخرّجه طار إلى شرقيّ البلاد معلّماً في الدمام. لكنّ هوايةً أخرى كانت تنبتُ في فراغ وقته. سرعان ما تطوّرت قُدرات المراسل الصحافي فيه، تنقل بين “الوطن” ثم “الحياة” ثم “الوطن” مجدداً. وفي سنواتٍ قليلةٍ بنى شبكة من العلاقات المتشعبة في المنطقة. ونجح في عمله الصحافيّ في بيئةِ عملٍ صارمة، وودودة..!

سيرة الزميل سفر العزمان الذي ودّعنا، ظهر أمس الجمعة؛ كان يُمكن أن تطول أكثر. وفي قصته إشاراتٌ إلى واحدٍ من المواهب الصحافية الممتازة في تخصصها.

الحدث الإرهابي الذي وقع في الدمام، سبتمبر 2006، استمرّ ثلاثة أيام. بدأ في الشارع الأول، ثم انتقل إلى حي الحمراء، في مواجهةٍ تابعتها الصحافة العالمية والمحلية. كان سفر العزمان واثقاً من تمييزه الأمني، كما يفعل المحرر الثقافي حين يميّز المثقفين. حقل الاشتغال يُثقِّف بالتأكيد. وكان سفر العزمان يشتغل على هذه الملفات، موسّعاً دائرة علاقاته بمصادره، ويُنجز مهامّه الميدانية على نحو بارع.

كان أداء الشابّ لافتاً بالفعل. أحبّ العمل الصحافي الأمنيّ أكثر من غيره. وتثقَّف في متابعة أحداثه، وبياناته، وصار يميّز حتى وجوه المطلوبين أمنياً، ويستقصي المعلومات بدقة بارعة. كانت سيرته مرشحة لتطور أكثر فيتخصّص في هذه الملفّات على نحو مشابه ـ أو قريب من ـ الذي برع فيه علي العميّم ومشاري الذايدي وفارس حزام ومحمد الملفي، وآحاد من الصحافيين السعوديين المتخصّصين في الملفات الأمنية. هذه الملفات ـ بالذات ـ ليست سهلة، وخوض تفاصيلها وتشابكها يحتاج إلى عناية خاصة.

والزميل العزمان، رحمه الله، كان يسير في هذا الاتجاه ناجحاً.

ومن دون سابق تمهيد؛ قرّر سفر العزمان الانتقال من الدمام إلى المدينة المنورة. كان قراراً مفاجئاً لنا نحن زملاءه في المكتب. وبالفعل؛ طار إلى غرب البلاد، واستأنف عمله في مكتب “الوطن” هناك. ويبدو أنه كان يجيد بناء علاقاتٍ مع المصادر بطريقة لا تقل سلاسة عن تجربته الدمّامية.

إلا أن رياحاً سوداء داهمته هناك، نبت في إحدى قدميه ورمٌ سرطانيٌّ أوجعه وأتعبه. انصرف سفر العزمان إلى مهمةٍ أخرى تمس حياته وصحته. طالت الرحلة كثيراً. وتعقدت أكثر. واضطرّ إلى أن يعود إلى “الديرة” حيث مسقط رأسه، بإلحاحٍ من والده. لكنّ تنقلاته بين عسير والرياض تكاثرت أيضاً، لتلقي العلاج.

التعايش مع السرطان ليس أمراً مريحاً، لكنّ الرجل كان قوياً بما يُدهش ويُطمئنُ. طالت القصة، لكنّ طولها كان تقصيراً لعمر شابٍّ يانع، شابّ أحبه زملاؤه وأحبهم. شابٌّ كان خبرُ وفاته فاجعاً.. فاجعاً حدّ الصعق.

رحم الله سفر العزمان.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com