ستموتين عجوزاً وحيدة.. وأتزوج ثلاث نساء غيرك…! تجاهل استدعاء "المواريث" فأحضرته "العامة" مُجبراً

الحل في فتوى مرجع "بواسطة" شيخ موثوق..!

قصص من الواقع تسردها: نسيمة السادة*

خمسٌ من سنواتِ الجفاف، وهي مخنوقةٌ بين “خُلع” نظامي و “تعليق” فقهي. كأنّها ما زالت في وقفتها المكسورة أمام مرآة حمّامها، ذات يوم أسود. وجهها ملطّخ بالكدمات.. شعرها مُبعثر، جسدها مُنهك بالرضوض.. ولكنها، في هذه المرة، سليمة الجسد، مشروخة الروح..! 

نسيمة السادة

أمام المرآة
قبل أكثر من خمس سنوات؛ هربت من سطوة يديه.. ركضت من غرفة الزوجية إلى الحمّام. هربت منه، خجلةً من أن يرى أطفالها حالتها. أن يروا آثار أفعال أبيهم في أمّهم. في الحمّام؛ لم يكن معها إلا مرآتها التي صارحتها بكل شيء، ونبّهتها إلى حقيقة العلاقة “اليدوية” بينه وبينها.. حقيقة نزف الأنف، وزرقة العين، واحمرار الخدّين بالصفعات. عدا حقائق لم ترَها المرآة، ولم تُخبرها بها.. آثار الركل والرفس، آثار الكلمات التي طعنت الروح ومزّقت ما تبقّى من مودة ورحمة…!

محطمة ضعيفة
ركّزت عيناها على مرآة الحمام، لترى أمامها امرأة ضعيفة، محطمة، سعت إلى ترميم حياتها فلم تنجح. تجاوزت إهماله وانشغالاته وعلاقاته النسائية العابرة المتكررة بكلمات ترددها “سيكبر وينضج ويعود لي من جديد”. وقد عاد فعلاً، ولكنه عاد بسطوة أكبر وعنف أشد، واثقاً من تزايد ضعفها. وأحيانا من حبها، ومن جزمه بأنها لن تتجرأ وتتركه. ولطالما عادت إليه بعد وجبات “دسمة” من الإهانة والضرب والتجاهل، لترتمي في أحضانه، متأثرةٍ بكلماتٍ قليلة من عشق مزيف واعتذار باهت..!

عباءة قوة
لكنّ وقفة المرآة الأخيرة؛ كانت الأخيرة فعلاً. خرجت من الحمّام، وارتدت عباءة القوة، معلنة الانتفاض على واقعها المُزري، ومواجهة الواقع الأشدّ، الواقع الاجتماعي والأسري. طلبت الطلاق بوضوح. كانت تعلم أن هذه الخطوة ستخسّرها والديها اللذين يرفضان فكرة المرأة المطلقة وعودتها بأبنائها الى بيتهم. ولطالما أرجعاها إلى بيت الضرب والركل والرفس والكدمات.. لطالما كرّرا لها (إنما يوفى الصابرون أعمالهم).
هذه المرة؛ اختارت خوض حرب ذات جبهات كثيرة. اختارت أن تواجه مجتمعاً ينتقص من المرأة المطلقة، ويساند زوجاً عنيفاً، لا يخجل من الانتصار لنفسه، ولو بتشويه سمعتها رداً على مزاعمها. اختارت أن تواجه إجراءات تثقل كاهلها وتستنزف وقتها وجهدها ومالها.
كل ذلك لتقول: كفى عنفا…!

لا يحترم الدائرة
ولأنها موظفة؛ استطاعت بمساعدة بعض الصديقات استئجار شقة لتأوي اليها. وبعد سلسلة من إجراءات توثيق ظلمه وعنفه وإهماله بتقارير من المشفى والشرطة؛ توجهت إلى دائرة الأوقاف والمواريث لتطلب الخلع. كان طلب الخُلع آخر حلّ بعد فشل طلب الطلاق..!
وكان يكرر لها: ستبقين معلقة حتى تبليْ، وسأتزوج أنا بثلاث يفقنك جمالاً..
في دائرة الأوقاف والمواريث؛ طُلب لحضور جلسات الصلح المتكررة. لكن الدائرة كانت أقلّ ـ في نظره ـ من أن يحضر جلساتها. استمرت على هذا الحال سنة ونيف. عانت صراعات أنهكت صحتها وقوتها، بين حديث الناس والاهل والوساطات التي لم تُفضِ إلى حل، ولم تجلبه إلى الدائرة..!
انتبهت، أخيراً، إلى المحكمة العامة. هذه الأخيرة أحضرته مُجبراً إلى الجلسة.. وبعد الاستماع لشكواها بحضوره؛ حصلت على الخُلع مقابل أن ترد إليه مهره فقط، وأن يبقى الاطفال في حضانتها وعليه النفقة. استشاط المخلوع غضباً، وراح يكرر كلماته المتشفية مجدداً: ستبقين معلقةً، ولن يقبل بك أحد، وأنا سأتزوج ثلاثا نكاية بك..!

سافري إلى المرجع
استقرت أوضاعها، وبدأت تلملم ما بقي من شتات حياتها. تجاهلت حديث الناس وضغوطهم. حاولت استرضاء والديها. مرت خمس سنوات قبل أن يأتي يوم ليزهر قلبها من جديد، ويتقدم لخطبتها من حسن دينه وخلقه. لكن المفاجأة التي وجدها؛ هي أنها “مطلقة قانوناً ومعلقة فقهاً”. وهنا بدأت رحلة صراع أخرى، انها مكبلة، وتبحث عن مخرج وتتساءل وتسأل: من الذي يستطيع تخليصي من تبعات زواج فاشل لأبدأ من جديد..؟
قيل لها اطرقي أبواب المشايخ. لكن المشايخ أخبروها بأن ليس لديهم صلاحية فقهية لإيقاع الخُلع.. أحالها المشايخ إلى “مخلوعها” ليُطلّقها على النحو الفقهي.
قيل لها: سافري والتقي مرجعك الفقهي.. فهو لديه الحل. ولكن عليك أن تطرقي بابه عن طريق شيخ يثق فيه المرجع، ليؤكد الشيخ معاناتك واستحقاقك للخلع أمام المرجع..!
عادت إلى التساؤلات من جديد: من أين لي بشيخ يسافر ويثق في كلامي وأنا لا أعرف أحداً..؟!
ليرد عليها قائل: ولم تريدين الزواج وأنت بهذا العمر ولديك أطفال..؟!
للرجل أن يطلّقها بكلمة أحياناً، أو بورقة تأتيها وهي نائمة غافلة. ولكنها من أجل أن تتخلص من أذاه؛ عليها أن تقطع الفيافي والقفار لتلتقي بمرجعٍ.. هكذا قرأت معضلتها.. الزوج الذي أذاقها الهوان مراراً في عش الزوجية، من حقه أن يتزوج بثلاث غيرها، في حين إن مصيرها هو “التعليق” حتى تبلى..!
فهل يتحقق وعيده المتكرر: ستبقين معلقة وإن خَلعتني.. وستبلين عجوزاً وحيدة.. وأتزوج أنا..!

—–

* ناشطة اجتماعية، ومهتمة بقضايا المرأة، تحمل الماجستير في الإدارة.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com