بعد القرني.. من يعتذر من جانب الشيعة..؟

حبيب محمود

ليس من المرجّح أن يعتذر أحد بعد الشيخ عايض القرني. إنه اعتذارٌ وحيدٌ مرَّ، وجرّ ما جرّ، وهو ماضٍ في الصمت، وفي صحبة صمت الآخرين أيضاً. هذا في الجانب السني السعودي.

ومن المرجّح، أكثر، ألّا يعتذر أحدٌ من الجانب الشيعي السعودي أيضاً. وسواءٌ؛ أكان الاعتذار شجاعة أم تهوُّراً؛ فإنه غير واردٍ من أحد من الذين تحرّكوا وحرّكوا الناس معهم إلى أيٍّ من الأفكار الحركية أو التقليدية، بما جرّت من آثار، وما رافقها من صخبٍ وصراع، مع الذات الشيعية، أو مع الآخر، أياً كان..!

إذن؛ من عليه أن يعتذر في وضعنا التاريخيّ الراهن..؟ خاصة حين نشاهد تحولاتٍ متسارعة، ومُربكة، وحسّاسة، ليس في ظواهر السلوك الاجتماعي، بل حتى في نمط التفكير الاجتماعي.. من عليه أن يعتذر..؟

فكرتي تقول: إننا ـ الجماهير ـ من عليهم أن يعتذروا لأنفسهم ولمجتمعهم ولأجيال عاشوا 40 سنة من لا شيء يحملُ بالاً، أو ينطوي على قيمةٍ حقيقية تصبُّ في صالح الناس، باستثناء الإرباك الذي حوّل الناس إلى أطراف تتواجه وتتصارع ـ فكرياً واجتماعياً ـ فيما لا طائل منه..!

علينا أن نعتذر؛ لأن الله منحنا عقولاً تهدينا إلى احترام الناس، كل الناس، وليس قصر هذا الاحترام على جماعاتنا الضيقة المأخوذة بشعور المباهاة الفئوية.

حقاً؛ علينا أن نعتذر؛ لأننا خلطنا “الاحترام” و “التقديس”، وأسأنا الفهم طويلاً.

لعلماء الدين مكانتهم واحترامهم، إلا أنهم يبقون ضمن منظومة المجتمع، شأن كلّ واحدٍ منهم شأن الطبيب والمهندس والمعلم.. شأن أي إنسانٍ محترم أياً كان عمله. أما أن يُمنح مستوىً من “التفوُّق” فقط لأنه حامل عمامة، أو آمٌّ جماعة، فتلك مسألة يجدر بنا أن نراجع تفكيرنا فيها، ومن ثم سلوكنا. على الأقل؛ بعد أخذ الدرس العميق من تجربة العقود الأربعة التي مرّت بنا مروراً معقداً، وحوّلت المجتمع إلى “دكاكين” تتنافس وتتعادى على أساس اختلاف الأفكار، أو تباين الرؤية في تفسير الدين، والمذهب أيضاً.

نحن مسلمون ولله الحمد. نعيش مسلمين، ونموت مسلمين، ويجري علينا ما يجري من أحكام الدين بما فيه من قيم وأخلاق وموروثٍ جديرٍ بالإجلال. ولكن ليس إلى الحدّ الذي يطال “أخاً لك في الدين” أو “نظيراً لك في الخَلق”..!

علينا أن نعتذر لأنفسنا لأننا أهدرنا كل هذه السنوات في تجاهل هاتين القيمتين الأصيلتين في أخلاق الدين وجوهره.

‫2 تعليقات

  1. لا أجد طريقةً للتعليق أو الرد على هذا المقال العميق، الممتد جذوره إلى أربعة عقود مضت، ومازالت ممتده حتى وقتنا الحالي. ولم تقتلع إلا عندما اقتلعها الكاتب الجميل حبيب محمود بقلمه الذي ضرب به كمعول حديدي ليخلصنا من تلك الجذور ويخلصنا أيضاً مما نحن فيه، وما نواجهه من محاولات هزيلة للتفرقة.
    لم يخطر على بالي يوماً بأننا سنصل لمرحلة يقال فيها هذا سني وهذا شيعي في هذا البلد الحبيب. فقد عشنا في الماضي وحولنا جيراناً وزملاء عمل ودراسة، دون أن نفكر لحظة باختلاف مذاهبهم بكافة أنواعها. فقد عشنا في حب وسلام وطمأنينة مع بعضنا البعض كأسرة واحدة من وفي بلد واحد.
    فلنرجع لأصلنا الطيب، فلنرجع لحب بعضنا البعض، فلنرجع يداً واحدة في بلدٍ واحد.

  2. قبل أن أصل للمنتصف ..
    كنت أقولها في تفسي ( علينا الاعتذار جميعاً ) حتى وجدتها … تتمة لمقالك الشفيف أستاذنا ..
    نعم علينا جميعاً أن نعتذر لـ ( الدين معاملة) ..
    لتاريخنا .. لبيوت الطين .. لسعف النخلات .. لتنور الخبز الدافئ ..
    لرائحة الأجداد ..!
    وأن نبادر إلى ارتفاع سقف أخلاقنا وأن لاننظر للآخر من ( تحت الطاولة ) !!
    علينا أن تعنذر للنشيد الوطني حين يهتف به مكبر الصوت ونقف بكل شموخ واعتزاز لهذا الوطن ..
    لك ?

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com