قصة الهندي “سهير” في العوامية جاء شاباً فصار جدّاً.. وأتقن الأزياء من "المريول" إلى "النشمي"

زهراء الزاهر

حين جاء إلى العوامية؛ كان شابّاً فتيّاً، ولكنّه اليوم كهل تجاوز الستين، وجدٌّ أيضاً.

وخلال العقود التي قضاها في البلدة؛ تحول “تايابراكاش” إلى سجلّ اجتماعيّ في الشطر الغربي للعوامية. الخياط الهندوسي الذي جاء منذ عام 1405؛ أصبح من أكثر العارفين بثقافة البلدة، ومن الأدرى بما تلبس نساؤها، من “مراييل” الطالبات إلى “نشمي” العجائز..!

الخياط سهير..!

نساء العوامية لا يعرفنه إلا باسم محله “سهير” الواقع في حي شعبي قديم. مثلما لم تتغير منازل الحي العتيقة؛ لم يتغير محله ذو الأبواب الحديدية المفتوحة مع ستار مسدول لتسهل التزاور مع الجيران يلعب الأطفال الصغار فيه بكل أمان في فترة العصر من كل يوم فيه.

دكان صغير لا تتجاوز مساحته مترين في ثلاثة أمتار، بعتبة حجرية عند الصعود عليها ترتقي بنا لنافذة زجاجية سهلة الانزلاق للفتح. وفي هذا المحل الصغير عالم خياط بماكينته القديمة مع مقص حديدي وقلم أزرق. كل ذلك على طاولة مليئة بالأكياس المربوطة على شكل صُرر، وقد ثبت على كل منها شريطاً لاصقاً ورقياً باللون “البيج” ليكتب عليها الاسم والتاريخ.

وفي حائط المحل ملابس معلقة، كأنها جدار منزلي يعرض أزياء، تتنوع فيه الموديلات من اللباس التقليدي (الثوب النشمي) الى لباس بموديل حديث لطفلة او فستان خاص بالمناسبات او لباس للزي المدرسي. أما أرض الدكان فهي حكاية أخرى مليئة بخيوط ملونة مبعثرة في جميع الزوايا..!

إنها صورة نموذجية للخياطين المقيمين في كل مكان من أرض بلادنا.

أخلاق مسلم

له حكاية شبيهة بمنطوق الآية الكريمة {إن خير من استأجرت القوي الأمين}، على حد وصف كفيله الحاج علي زنادي الذي أثنى على أخلاقه كثيراً، بقوله انه يمتلك خصال المسلم على الرغم من كونه هندوسياً.

سلم زنادي “سهير” زمام الأمور في الدكان ولم يحاسبه على الداخل والصادر يوماً لأمانته وثقته فيه ويعده فرداَ من سكان البلدة.

إعالة أسرة

يقول “تايابراكاش” عن نفسه إنه لم يُكمِل الدراسة حين جاء إلى الملكة العربية السعودية. كان لديه هدف واضح، هو تأمين مصاريف أسرته المكونة من زوجة ولد وبنت.

بعد كل هذه السنوات؛ تزوج ابنه “”شيري” وأنجب أول حفيد. أما ابنته “سوار” فهي ما زالت تدرس في الجامعة.

لم يتغير

في أول الحديث كنت أتفحص زوايا الدكان الذي لم يتغير طيلة كل هذه السنوات. كذلك ملامح الخياط “سهير” نفسها. فقط ظهر الشيب في رأسه. كان حديثه بصوت هادئ مع ابتسامة لطيفة وهندام مرتب من قميص وبنطلون.

أخبرت سهير بأني كنت في صغري زبونة عنده وأتسابق مع قريباتي من أجل حجز موعد لخياطة اللباس الرسمي للمدرسة (المريول). ضحك كثيراَ وأخبرني بانه حافظ أسماء نساء الحي ويعرف منازلهم.

ملابس بالحجز

بعض نساء الحي يعرفنه بوضوح أيضاً، ومنهم “أم علي” التي أصبحت جدة الآن. قالت إنها زبونة قديمة عنده، وكثيراً ما كانت تطلب منه تصميم الثوب القديم. وقد حفظ “سهير” ما يعجبها تماماً، وهي ما زالت تحجز ملابسها للتفصيل عنده. ووصفته بـ “احترام المواعيد وإتقانه للخياطة” وفي حال سافر في إجازة فإنها تنتظر عودته ولا تفضل التعامل مع غيره.

“أم محمد” أصبحت جدة هي الآخرى، تقول “عندما كنت في شبابي مع بناتي الأربع أسرع بشراء قطعة القماش الخاصة بالزي المدرسي بلون كحلي غامق قبل بداء العام الدراسي بفترة طويلة حتى أضمن حجز دور عنده. وكذلك بالنسبة للأعياد والمناسبات”. تضيف “الآن أصبحت جدة بعد زواج بناتي، وكل واحدة فيهم تذهب للعمل اصطحب حفيدتي الصغيرة فاطمة للخياط سهير حتى يخيط لها لباسها الرسمي للروضة”.

ثوب.. إحرام

“أم عباس” سردت لنا قصة طريفة.. تقول فيها “في بداية قدوم “سهير” للعوامية؛ كان لا يجيد الحديث بالعربية. أعطيته قطعة قماش ليخيط احراماً خاصاً بالصلاة، ولكونه جديداً؛ قام بخياطة ثوب بدل احرام..”.

واصلت أم عباس الحديث الحديث “في البداية كان لا يجيد خياطة الا أصناف معدودة، لكنه خلال فترة قصيرة تعلم صنع جميع الأنواع من لباس شعبي الى الملابس الخاصة بالزواج، حتى الاحرام الخاص بالصلاة والملابس الرسمية للمدرسة”.

وخلال شهر رمضان المبارك لا تنسى ام عباس ان ترسل بين حيناً واخر طبقاً من بيتها لـ “سهير” لأنه يعيش بمفرده، والزقاق ضيق تصله رائحة الطعام.

اعتناق الإسلام

وجهتُ سؤالاً شخصياَ لسهير:ألم تفكر يوماَ أن تعتنق الإسلام..؟

فكان الجواب منه  أن “الدين عندي أن يكون قلب الانسان صافياً غير محمّل بالأحقاد، وأن لا يؤذي الآخرين بيده أو لسانه”. وعقب بقوله إنه “من المعجبين جداً بقصة الامام الحسين ويحب ان يسمعها من أصوات المجالس”. وسألته أيضاً: هل فكرت يوماً في مغادرة العوامية بسبب الظروف..؟

بدا متأثراً ونفى التفكير في ذلك، وتحدث بكلام معناه أنه يحب العوامية ويعتبرها مثل موطنه. وأضاف ما معناه أيضاً أن نهاية عقد عمله فكرة صعبة القبول وأنا الآن في عمر الستين ولا أرغب في فراقها أبداً”.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com