المقابلة.. انتهت..!

بلقيس السادة

 

“بريئة هي إختياراتنا في الطفولة لا تتجاوز الحلويات وعدد الأصدقاء ونزهة الألعاب.

في المراهقة، بين تكوين الشخصية وإثبات حضورها في الأذهان يكون الصراع مستمراً.

في الحياة الاجتماعية والعملية تبرز لدينا المساحة الخضراء التي أوجدناها من إنتصاراتنا وإحباطاتنا في الحياة”

كتبتْ هذه الجمل ووضعت ورقتها وقلمها بجانب السرير، وغطت في نومٍ عميق، كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف، قليلا وإنتبهت من غفوتها، نظرت إلى الساعة،  كانت الساعة الثالثة والنصف.

“ماأطول الوقت عندما تكون حياتك على المحك، تنتظر أمراً هاماً به سيُحدد مصيرك”

شعرت بأنها نامت دهرًا، بها قوة ونشاط، قامت وأعدت لها كوبًا من القهوة بالحليب بدون سكر وقطعة من البسكويت.

مر شريط حياتها وهي ترشف قهوتها وحيدة، وهدوء المنزل أضفى عليها نوعاً من الخوف، لكنها اعتادت الوحدة منذ زمن، إلا ما ندر من الزيارات المتقطعة للأهل، والأصدقاء.

لم تولد وفي فمها ملعقة من ذهب، ولدت لأبوين مكافحين، حاولا قدر إمكانيتهما إسعادها وتلبية رغباتها الطفولية – بحكم إنها وحيدتهما- وعندما كبرت فهمت معنى المستوى المادي والاجتماعي، وهذا ما حال بينها وبين من تاقتْ النفسُ اليه، عندما هدد والدهُ بحرمانه من الثروة إن أقدم على الزواج بها.  وقبِلَ هو بدون مواجهة، وأرادها درعٌ بشري للتمسكِ به أمام والدهِ، وعرفتْ ما يدور بفكره من خلال كلماتهِ، و أخيرًا خضعت للأمر الواقع هاربة بجلدها من نصف رجل!!

لكنها واصلت كفاحها معتمدة على ربها واجتهادها الأكاديمي بحصولها على درجة الماجستير بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف.

تحسنت أحوالهم المادية كثيرًا، وكانت دائمًا تُرجع نجاحها في دراستها ووظيفتها و كل مالديها من خير وتوفيق بفضلٍ من الله، وبركة دعاء والديها.

 تقدم لخطبتها زميلها في العمل، كان ذا خلق وسيرة حسنة، لكن القدر لم يمهلهُ كثيرًا معها، بعد خمس سنوات توفاه الله بنوبة قلبية، دون أن تُرزق منه بطفل!! وقد كانت مشيئة الله فوق الأُمنيات، وفي خضم ألمها ووحدتها، وبعد مدة من الزمن، ظهر هشام من جديد!! الشاب الذي رفض والده الاقتران بها، بحكم المستوى المادي والإجتماعي!!

هاهو أمامها أكثر قوة وجرأة، حين زارها في مقر عملها، يتحدث كثيرٍا، يبرر إنسحابهِ بدون أي اعتذار، مدعيًا بإبتسامة: “من الذكاء السير بمحاذاة السفينة، حتى لا نصطدم بها و تغرقنا، وعندها لا نطول بلح الشام ولا عنب اليمن”

هالة: والآن ماذا تريد؟؟

هشام: نتزوج، مازلتُ أحبكِ!!

هالة: ألم تتزوج؟؟

هشام: نعم تزوجت وعندي طفلين!!

عندها نهضت هالة من كرسيها وفتحتْ له باب المكتب قائلة: أستاذ هشام انتهت المقابلة!!!

تفاجأ هشام من ردة فعلها، حاول أن يفهم منها سبب الرفض؟؟

أخبرتهُ بدون النظر اليه: “أضعتَ الكثير من العمر، حتى بكى الكون الذي وِجِد من أجل سعادتنا، بسب ضعفك وتخاذلك”، ثم التزمت الصمت.

كيف اعتقد أنه بمسايرة والدهُ حينها، أن غدًا سيكون أفضل، وأنه سيكون قادرا على تحقيق حلمه معها، هكذا بكل بساطة؟؟!! وهو قد أضاع أجمل اللحظات من سنوات العمر بإستكانتهِ وخضوعهِ؟؟

نزلت قطرات من الدموع على خديها، وهي تستعيد شريط الحياة، حان وقت الأذان لصلاة الصبح، قامت وتوضأت واتجهت لمصلاها، وبعد الصلاة تمددت على مصلاها و غفت.

على رنين هاتف المنزل انتبهت مذعورة، فقامت مسرعة وأمسكت الهاتف بيد مرتجفة، كانت طبيبتها على الطرف الآخر، تُهنئها بالسلامة وتخبرها أن نتيجة التحاليل كانت سليمة ولله الحمد.

شكرتها هالة كثيرًا، وبعد أن أغلقت السماعة، جددت وضوءها وصلت ركعتين لله حمدًا وشكرًا.

لاحقا.. قامت هالة بتبني طفلة يتيمة في الثالثة من العمر، لتكون لها عونًا وسلوى في الحياة بعد الله عزوجل، ومؤنسة لها في وحدتها.. !

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com