ليلة “الناصفة”.. حضر “واتساب” واختفت المساجد السبعة نساء يخرجن من "بيوت الله" إلى "بيوت الناس".. ويطلبن الدعاء بـ: "يا الله من مال الله"

صفوى: أمل سعيد

ما إن ينصرف الرجال من صلاة المغرب حتى يبدأ توافد النساء على المساجد. كل امرأة منهنّ تحرص على ألا فضول كلام ولا استئناس بحديث مع أحد.

الليلة للصلاة والدعاء وطلب الحاجة، إنها الليلة الفضيلة، وبحسب اعتقاد الناس فهي الليلة التي تكتب فيها الأعمار والأرزاق، ثم يُصادَق عليها في ليلة القدر الكبرى في شهر رمضان المبارك.

ومع أن حظ النساء من دخول المساجد ضئيل جدا في ذلك الوقت، إلا أن هذه الليلة مختلفة تمامًا، نستطيع القول إنها ليلة مساجد نسائية فقط.

هذا ما كان عليه الحال حتى سنوات قريبة، في ليلة الخامس عشر من شهر شعبان.

تهرع فيها كل طالبة حاجة إلى المثول بين يدي خالقها في بيته، تدعوه وتتوسل إليه. أصوات الدعاء الأنثوية تختلط بتهدج وصوت بكاء، تخرج أفراد وتدخل أخرى.

تتنقل النساء بين سبعة مساجد، في كل مسجد يدخلنه؛ يصلين ركعتين تحية للمسجد، ثم تتلوه بدعاء وسؤال لحوح وبكاء.

إلى بيوت الناس

بعد الصلاة والدعاء في بيوت الله، تتجه النساء إلى بيوت الناس. ومثلما يقف أي فقير؛ تقف الواحدة منهن بباب تكاد لا تعرف أهله. وإن كانت تعرفهم فإنها تحرص على ألا يعرفنها، تطرق الباب بذلّ الفقراء وإنكسارهم وشدة فاقتهم.. ثم تسأل أهله بعبارة: “يا الله من مال الله”.

ليس في هذا الطلب استجداء ماء أو طعام مطلقاً. طلب دعاءٌ، فيأتيها جواب أهل الدار “يعطينا ويعطيكم الله، الله يقضي حوايجكم، يعطينا الله وياكم حج بيت الله الحرام، الله يرزقنا وياكم زيارة أمير المومنين وأولاده المعصومين، الله يخلي لينا وليكم”.

هكذا بكل بساطة، تحمل بقلبها نصيبها من الدعاء، ثم تنصرف لتقف بباب غيرهم، وهكذا..  من باب إلى آخر، ولا حد لعدد البيوت المرجوة، وحده التعب أو الشغل المترقب في البيت وأمور الحياة هو ما يضع حداً لطرق أبواب الناس.

جولات الأطفال

ومن طواف الأطفال بالأزقة والأحياء لأخذ البركة نهارا، إلى طواف النساء بالمساجد والبيوت ليلا. هكذا كانت تمر ليلة النصف من شعبان في قريتي قبل ما يزيد على 4عقود.

لم تمض إلا سنوات قليلة حتى حل طرق الهاتف محل طرق الأبواب، يأتيك صوت إحداهن عبر الهاتف وهي تسأل نفس السؤال “ياالله من مال الله”، تجيبها بما يخطر في ذهنك وقتها، فيتكرر السؤال “يالله من مال الله”، ربما لم تصل بجوابك لحاجتها، أو ربما أرادت الاستزادة من الدعاء، تشحذ ذهنك جيدا علك تجمع الخير كله في دعاء موجز وتعطيه للسائلة.

وسنوات أخرى وإذ بالسوشيال ميديا يأخذ دور المسجد وأبواب البيوت، وبضغطة زر تصل لكل من تريد الوصول إلى بابه الافتراضي لتسأله “يالله من مال الله” وليس عليك أن تشعر بالذل والإنكسار حتى ولو لم يرد عليك أغلب من وقفت بأبوابهم، لكنك أيضا لن تشعر بعطايا الكرام.

الموجة التي غسلت رجليك قبل دقائق لن تعود إليهما مرة أخرى ولو أطلت الوقوف بباب البحر، نعم ستأتيك موجة أخرى ربما تحمل شيئا يشبهها لكنها حتما ليست هي.

كل خلايا قريتي تغيرت إلا قليلا، حتى أكاد لا أعرف أحدا كلما نظرت من بوابة الذاكرة.

كانت هذه العادة منتشرة في بلدات القطيف جميعه تقريباً.

‫2 تعليقات

  1. لم يكن كذلك في بلدتنا العوامية ولم اسمع به .. ليلة النصف من شعبان كانت مشابهة للكيفية التي يحتفل بها الان وان اختلف العطاء فيها .. كان الامر مقصورا على الاطفال وتلتزم الكبار منهن منازلهن لاستقبال المحتفلين وربما يتزاورن بين اهليهن في هذه المناسبة.. يقصد الرجال اماكن قرائة المولد بالطريقة التقليدية وفي اماكن محدودة.. هذا ما تناقل لمسامعنا من سوالف امهاتنا وجداتنا عن زمنهن الجميل

  2. جميلة هي الذكريات .. لعل بعضا من الجمال حين يأخذك النص إلى تلك الذكريات لتعيشها… نص جميل

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com