عبدالله القصّاب.. الهاديء الذي حرّك القطيف.. عن بكرة أبيها مسالم.. دقيق في عمله.. حريص على المشي.. بعيد عن الجدالات

القطيف: صُبرة

ما كان تأكيد وفاته مستغرباً، ولا ربطه بجثة حي التركية مستبعداً. ولكن النفس البشرية تميل ـ أولاً ـ إلى تكذيب الأنباء الحزينة. كلُّ منا لا يُريد أن يصدّق ما يسمعه من بشارة سوء، ويتمنّى نباً آخر بديلاً.

لكنّ عبدالله القصّاب تُوفي، والجثة التي عثر عليها فريق البحث، قبل يومين، هي جثته، والتحقيقات أمسكت بخيط الحقيقة المؤلمة، وأخبرت عائلته بها، وهي بدورها؛ أزالت ما تبقّى من لبس وظنّ وتخمين واستنتاج، وأعلنت وفاة ابنها..!

من هو عبدالله القصّاب..؟

كهلٌ في الخمسينيات، موظف أرشيف بسيط في بلدية تاروت، يقطن الحي المعروف بـ “الدخل المحدود”. إنسانٌ هاديءٌ جداً، يعيش حياته بعيداً عن الناس. مسالمٌ، كثير الصمت، يقضي وقته ما بين عمله، أو جولاته مشياً على قدميه. كان يزور بعض الأسواق الشعبية، ويختلط بالناس بهدوء. لا يدخل في جدالات، ولا نقاشات تسبب حساسية لأحد.

وصفه بعض زملائه في بلدية تاروت؛ بأنه دقيق في عمله، ولديه صبرٌ على العمل بصمت. ولذلك كان أنسب مكان له هو الأرشيف، حيث بإمكان إيجاد أي وثيقة في وقتٍ قصير.

يتنقل بواسطة سائق خاص في الغالب. لكنه يفضل رياضة المشي، ويمارسها عفوياً.

يوم الاختفاء

خرج إلى عمله يوم 7 مارس ولم يعد. وعُثر على جثته بعد قرابة 20 يوماً من اختفائه. كانت منتفخة في قبو منزل قيد الإنشاء في حيّ التركية. وطبقاً لشهادات معاينة؛ فإن القبو كان فيه فراش قديم. الذين عثروا عليه؛ أبلغوا الشرطة التي حضر بعض ضبّاطها من قسم تاروت، وجاءت بعدهم فرقة من الدفاع المدني، وهكذا حصل لغز “المفقود” على إجابات أولية..!

أغلب المؤشرات رسمت دائرة حول “عبدالله”، لكن عائلته ومحبّيه والباحثين عنه، أعطوا أنفسهم هامشاً عريضاً من التشكيك. لا أحد يُحب الأنباء السيئة، والبحث الذي استمرّ أياماً طويلة؛ كان المشاركون فيه يتمنّون بشارة خير لأهله، ولأنفسهم. وفي اليوم التالي للعثور على الجثة استأنف فريق البحث عمله.. هناك أملٌ لم يتخلّ قرابة 40 متطوعاً. اقتصر بحثهم على التجول بالسيارات وسؤال الناس.

فزعة جماعية

البحث الجماعيّ يكاد يكون سلوكاً تقليدياً في القطيف. ما إن يختفِ شخصٌ؛ حتى تنبري مجموعات من الناس للبحث عنه. هناك تجارب عديدة مماثلة، ولم يكن البحث عن “عبدالله القصّاب” سابقة في مجتمع عُرفت عنه “الفزعات”. وخلال السنوات الأخيرة؛ هناك 4 عمليات بحث تطوعية نشطت في أعقاب اختفاء أشخاص، حسب إفادة عضو المجلس البلدي في القطيف فاضل الدهان، وهو ـ أيضاً ـ عضو جماعة بحث تشكّلت قبل سنوات، وتتكون من 7 أعضاء أساسيين ينضمّ إليهم متطوعون عند الحاجة.

وكانت قصة الحاج سعيد المقابي، رحمه الله، واحدةً من أشهر قصص البحث. وقد اختفى في يونيو 2016، وعُثر على جثته في أحد نخيل القطيف. ومثلها قصة الخمسيني محمد حسن آل رميح (سيهات) الذي عُثر عليه مَيْتاً بالقرب من مستشفى القطيف المركزي في أغسطس من العام قبل الماضي 2017.

40 متطوعاً

وقصة اختفاء القصّاب تتشابه في نهايتها مع قصص سابقة انتهت إلى الوفاة. وقد بدأ العمل على البحث عنه عبر الفريق التطوّعي الأساسي. إنهم يعملون على ما يُشبه نظام “إن كُول”. وبعد يومين من تحركهم؛ بدأ آخرون ينضمون إليهم، ويكثفون النشاط. وصل العدد إلى ما يقارب 40 فرداً، يتوزعون على مناطق مختلفة من القطيف.

وقد أسّسوا فريق عمل عبر “واتساب”، يتبادلون فيه المعلومات، ويناقشون خطط العمل اليومي، ويُخبر بعضهم بعضاً بالنتائج، والشهادات التي حصلوا عليها من الناس، والاقتراحات، والأفكار.

وكلما أمسكوا بخيط؛ ينقطع في منطقة ما. ومن ضمن ما أمسكوا به ما وثقته كاميرات بعض المحلات، حيث رُصد المفقود في شوارع مختلفة من القطيف. من شرق “الدخل المحدود” في حيّ “المناخ” إلى غرب مدينة القطيف عند “التوبي”. وهذا التباعد؛ وضع الفرق في حيرة، لكنّهم أظهروا إصراراً قاطعاً على مواصلة البحث.

والخيط الأخير؛ كان في حي التركية، حسبما ذكر الدهان. وفي اليوم الذي عُثر فيه على القصّاب؛ اتفقت فرقتان على تمشيط الحيّ، ومنذ بداية البحث وجدت إحدى الفرقتين الجثة، في قبول المنزل. وبدأت القصة تدخل مرحلة دراماتيكية مرعبة.

الآن؛ ثبت أن الجثة تعود للمفقود عبدالله القصّاب، وبدأت عائلته التعامل مع الحقيقة المؤلمة، وتوقفت فرق البحث. لكنّ قصة آل القصاب أمامها فصلٌ مؤلم جديد. المفقود ابنها، وتحديد سبب الوفاة ما زال في طور الإجراءات.

‫2 تعليقات

  1. الله يرحم المتوفي برحمته الواسعة،
    انا لله وانا اليه راجعون.

    نشكر جميع المتطوعين الذين يقفون سندا مع الجهات الرسمية لأجل البحث وخدمة الناس.

  2. الله يغفر له.. ويدخله فسيح جناته. ..
    وحيد منطوي اكيد تعبان من سياط الحياة
    كهل. في الخمسين
    الخمسين
    انه ريعان الشباب أيها المغفل من سرد الخبر

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com