حين يكون الخبر خنجراً في كبد أم…!

حبيب محمود

.. صحوتُ على صوت الجوال. وحين أجبتُ؛ جاءني السؤال: من المسؤول عن المحليات في الجريدة..؟

واقعاً لم أكن المسؤول المباشر، إلا أن القسم كان تحت إشرافي وقتها. أجبتُ بأنني المسؤول.

ثم جاء سؤالٌ آخر عما إذا كان رئيس التحرير موجوداً أم مسافراً. أجبتُ بإيجاب الأول.

عندها قال المتصل: أنت ورئيس التحرير تعالا إلى الإمارة. الأمير يطلبكما. أمير المنطقة الشرقية، الأمير سعود بن نايف. والقصة تعود إلى أكثر من عامين.

ليس أمراً مطمئناً أن يطلبك الأمير، من صبح الله، خاصة بعد سؤالين على هذا النحو. تبعثر ما تبقّى من تثاقل النهوض من الفراش. حمام ساخن، حلاقة، ترتيب.. وصولاً إلى “الكشخة” النهائية. وفي الطريق؛ كنتُ ورئيس التحرير نتساءل ـ هاتفياً ـ عن أي شيء نشرناه في “الشرق” ليكون سبباً يستدعى حضورنا بهذه السرعة، إلى أمير المنطقة شخصياً..!

وحين وصلتُ إلى مقرّ الإمارة؛ كان رئيس التحرير ونائبه في انتظار الدخول على الأمير. انضممتُ إليهما. دخلنا مكتب الأمير. صافحناه. كانت في يده نسخٌ من عدد ذلك اليوم. سلّم كلّاً منا نسخة، واحتفظ بنسخة رابعة. دعانا إلى الجلوس. ثم طلب منا فتح الصفحة الخامسة من العدد.

من جهتي؛ طالعت الصفحة، رحت أقرأ مادتها من البداية. وحتى قبل وصولي إلى منتصف الموضوع؛ لم أفهم السبب.

ثم طلب منا مطالعة الصفحة السادسة..!

عندها؛ تسلّم رئيس التحرير الحديث. وبعد إكماله؛ تحدث الأمير.

قبل أن يفتح الأمير الموضوع الأصل؛ نبّهنا ـ بهدوء ـ إلى أنه ليس الجهة التي تفرض علينا ما ننشر، أو ما لا ننشر. والسبب الذي جاء بنا إلى مكتبه ليس كونه أميراً، بل لكونه إنساناً مثلنا. ثم قال ما معناه: ضعوا أنفسكم في مكان أهل المتوفين، ثم اتخذوا قراركم.

القصة؛ هي أننا نشرنا تقريراً عن حادث “تفحيط” في إحدى مدن الجنوب. كان هناك ضحايا من الشبّان، وخسائر. وقد نشرنا صور بعض الجثث. وما ظهر في وجه الأمير لم يكن غضباً. كان أذىً. لا يحتاج الأمير سعود بن نايف إلى شهادتي، ولا إلى مديحي. لكنني أتذكر نبرة صوته الهادئة، المشحونة بإحساس أذىً من صور جثث شبّان ملقاة على الأرض.

عن تجربة شخصية سابقة؛ أتذكر أن صوراً وصلتني عن حادث عمٍّ لي. لم أطالعها حتى الآن. وحين تحدّث الأمير؛ كانت قصة عمّي تمثُل بوضوح. لم تطعني عيناي لأرى صور عمّي قبيل وفاته في ذلك الحادث.

الصورة صحيحة، والخبر دقيق، ولكنّ أياً منهما يمكن أن يكون طعنة خنجر في قلب أم، أو كبد أب، أو خاصرة أخٍ، أو كتف قريب. سيكون مؤذياً بطريقة من الطرق.

صحة الخبر ليست كلّ شيء في الإخبار، وسلامة المعلومة ليست الأهم في المادة. ونحن ـ العاملين في النشر ـ نزلُّ يوماً بعد آخر، وتسلبنا حماسة المعلومة حسّ البحث في الأثر، الأثر الذي يأتي على ما تبقّى من أمل، أو يفجع بلا هوادة…!

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com