[حكاية] الحب الأول

بلقيس السادة

 

تميزت بجمال دافئ، وعينين نجلاوتين حزينتين، فيهما كبرياء وشموخ رغم الفقر الذي كانت تعيشه، جالسة القرفصاء في وسط الحارة تبيع بعض من الورود الذابلة، والأقلام، وألعاب الأطفال الصغيرة، تعيل به والديها وإخوتها، كنتُ أقطع الشارع جيئًة وذهابًا من وإلى المدرسة، لذا يكون مروري عليها دائمًا، أشتري من عندها لأتمعن في عينيها، رغم صغر سني كنتُ ابن العاشرة، وهي في السابعة والنصف تقريباً، جمالٌ برئ يكتسح وجهها، وإبتسامة تقابلني بها صباحًا ومساء، تعلّق قلبي بها، أحببتها، نعم أحببتها، حبي الأول الطاهر، ببراءتها المدفونة، وطفولتها المحرومة، ولو كنت أملك فانوس علاء الدين السحري لأنتشلتها من فقرها المدقع، وبؤسها، وتحملها قرصات البرد شتاءً، وحرارة الجو صيفًا!!
غدًا عندما أكبر وأكمل دراستي الجامعية وأعمل، سأتقدم لخطبتها والزواج منها..
هكذا كانت تحدثني نفسي صباحًا ومساء، حتى كبرت، وكبرت معي وردة، وتقدم لخطبتها الكثيرون من شباب الحي، وعندما فاتحتُ والدي بموضوع خطبتها وأنا مازلت أدرس في السنة الجامعية الأولى، وبخني قائلاً: ومن أين ستصرف عليها ياشاطر؟!!
انطويت على نفسي وعلى حبي. تزوجتْ وردة من لحّام الحي، كان غنيًا، وعنده زوجة وأولاد، أسكنها في الطابق الثاني لمنزله، كان زواجها حديث أهل الحي لفرط فخامته.
مرت السنوات، تخرجتُ مهندسًا، أكملتُ الماجستير وأنا أعمل، ثم حصلتُ على الدكتوراه، كان أبي يلح عليّ لأتزوج، لكن عيون وردة وجمالها مازال هو آخر ما أغفو عليه، بعد يومي الشاق في الدراسة والعمل!!
رغم إنتقالنا من الحي إلى حي آخر أرقى وأنظف وأجمل؛ كنت دائمًا أزور حينا القديم بحجة السلام على أصدقائي القُدامى، والحقيقة هي: لأرى وردة وأسمع أخبارها.
لم تُنجب وردة أطفالا، فما كان من زوجها إلا أن طلقها، هنا تقدمتُ لخطبتها، جنّ جنون أمي وأبي وأخوتي، كيف وأنتَ الحاصل على الدكتوراه تخطب الجاهلة، المطلقة، ماهي لغة التخاطب بينكما؟ كيف ستربي أطفالكَ، كيف تدخلها محيطكَ ومجتمعكَ المتعلم ؟!!
لم أُعرهما السمع، إنها حبي الأول والأخير، لم تستهوني بنات الجامعة ولا بنات الجيران والأصدقاء والأهل، هي فقط من احتل الجزء الأكبر من داخلي، وأبقت الجزء القليل منه لي للحركة والسعي، انتظرتُها طويلاً، وقد كانت تستحقُ الانتظار.
تزوجنا، أسكنتها في شقة جميلة، مازالتْ هي أيضاً جميلة بريئة بعينيها الحزينتين، كطفلٍ يحاول أن يُفهم أمه لغتهُ وإشارتهُ، فوق جمالها؛ إكتشفتُ ذكاءها لقد علّمتْ نفسها بنفسها، مع إخوتها الصغار؛ فلقد كانت تذاكر معهم، وفي هدوء الليل تقرأ كتبهم، حتى عرفت القراءة، وعندما تزوجت ودرَّ المال في يدها، إشترت وقرأت لنفسها الكثير من الكتب والقصص، فرحتُ بها ولها جدًا، قالت في حياءٍ “كنتُ أَعدُ نفسي لمثل هذا اليوم، لكي لا تخجل مني، بسبب جهلي، بل لتفتخر بي، وبتربيتي لأطفالك، ولأني كنتُ على ثقةٍ بأنك قادمٌ لي لا محالة بإذن الله، لم أكترث بمن تجاهلني، بل أحضن وأكترث من تجاهل الناس لأجلي، على قدر النية يكون العطاء الجميل، أينما نكتب أو نثرثر، بصوتٍ ظاهري أو باطني، وأينما نكون، يكون الجمال والنقاء الداخلي معكَ فقط”
وأخبرتني أيضًا بأنها كانت تستخدم موانع الحمل، لكي لا تنجب من زوجها الأول، وقد تزوجته بسبب ضغط أهلها ولظروفهم الصعبة.
سافرنا لقضاء شهر العسل، وعند الرجوع مررتُ بمنزل والديّ، بعد أن أنزلتُ وردة الشقة، وهناك قبّلتُ رأس أمي وأبي، كانت أمي أكثر ليونة، سألتني عن حالي أخبرتها أني بخير والحمدلله، وأن وردة متعلمة مثقفة، قد تكون بغير شهادة، لكنها امرأة عصامية علّمت نفسها بنفسها، اقترحت والدتي أن أحضر معي وردة للعشاء في الغد، وسيكون عشاء عائليًا،
تأنقت وردة بثوبٍ أحمر من الشيفون الحرير منقط باللون الأبيض، وحذاء ذو كعبٍ متوسط أحمر اللون، وشنطة بيضاء، وقرط من اللؤلؤ الأبيض، وبدت كقمر مكتمل يعكس بضوءه على بحيرةٍ راكدة.
تفاجأ الجميع بجمال وردة، ورقة حديثها وثقافتها، وبساطة أناقتها واختيارها. بعد العشاء، أهدت أمي وردة ساعة فاخرة، فشكرتها ممتنة وقبّلت رأسها، لم يمض عامان حتى كان فراس وفارس يملآن حياتنا صخباً.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com