ما أشبه الليلة بالبارحة

جمال الحمود

 

مع بداية الألفية الثالثة وأثناء حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت انطلقت القنوات الفضائية والتي كانت تبث من كافة دول العالم القريب منها والبعيد معلنة عن تحول هذا الكون الفسيح إلى قرية صغيرة، ومؤذنة بعهد جديد للتقنية الحديثة والتي ستغير الكثير والكثير من المفاهيم والعادات والتقاليد، وستفتح نافذة للمشاهد يطل من خلالها على العالم شرقه وغربه شماله وجنوبه. هذه التقنية أو هذه الوسيلة والتي عرفت بتقنية الأطباق الفضائية وتم تسميتها محلياً (بالدش) كانت قفزة نوعية لم يكن الغالبية العظمى من شعوبنا العربية بل والشرق أوسطية تعلم عنها سوى أنها قنوات للبث الفضائي، تبث برامجها على مدار الساعة وأن دور المشاهد هو تلقي كل ما تبثه إن برغبة أو بدون. أو دون أن يكون له القدرة على التحكم بما يبث أو إخفاء غير المرغوب أو المقبول. هذه التقنية التي فتحت الباب على مصراعيه لكل المهتمين بما يحدث بهذا العالم ومحاولة معرفة ماهية وكيفية عيش الشعوب وثقافاتهم وحضاراتهم. لم ير فيها أصحاب الفكر المحدود والثقافة الضحلة والأفكار المشوشة، لم يرو فيها إلا الإباحية والإنحلال. لم يرو من تلك الآلاف من القنوات والملايين من البرامج التي تعنى بالعلم والثقافة والطب وكافة مناحي العلوم والاختراعات وكل مستجد في هذا العالم وما يعود بالفائدة على الإنسانية ويقضي على الأمية والجهل والأمراض لم يروها إلا جزءًا من غزو فكري وثقافي، ولكأن الفكر والثقافة غدتا آفة ينبغي مكافحتها. وبرغم كل محاولات الإيضاح والتوضيح والتعريف بأهمية هذه التقنية ودورها الإيجابي في تذليل الصعاب وتسهيل طرق الحصول على المبتغى في سبيل تطوير المجتمعات، والعلوم والثقافة والبقاء على مسافة من الإطلاع على كل ما هو جديد وما يخدم البشرية من علوم واكتشافات في كل المجالات والمناحي. كل ذلك لم يكن كفيلاً بأن يجعل هذه الفئة ترى وجهاً إيجابياً في هذه التقنية فضلاً عن إقناعها بأنها ثورة حقيقية في التكنولوجيا وأن العالم في حركة تطورية ولن يقف عند اعتراض من يعترض أو قبول من يقبل وأنهم سيكونون متخلفين عن الركب العالمي، وحقيقة أن هذا العصر هو عصر العولمة والعالم الرقمي تحديداً إذ لن يعود للوسائل التقليدية أي دور تؤديه أو نفع يرتجى منها بل ستتحول إلى بضاعة كاسدة أو بتعبير أخف وطأة أنها وسائل منتهية الصلاحية. وقد حاربوا هذه التقنية بشتى الوسائل وحاولوا التشويش عليها بشتى الأساليب. وقد بلغ منهم أن حرموا دخول البيوت التي يوجد بها أطباق فضائية وقولتهم الشهيرة في ذلك “بالبيت اللي فيه دش لا تدش” . وما كانت نتيجة حربهم العبثية تلك وأفكارهم البالية إلا هباء. واليوم عدنا لمثل هذه العبثية ولكن من موضوع آخر وباب آخر وهو الترفيه. إذ بمجرد أن أعلن عن إقامة أمسية في مقهى مع عزف على آلة البيانو قامت الدنيا ولم تقعد ولكأن بيضة الدين قد اهتزت وأن الفسق والفجور قد غزى البلاد وأفسد العباد وبدأ النداء يا غيرة الله كل ذلك من أجل أمسية رحب بها أشخاص يرغبون في الحضور بينما رأى فيها المعترضون ما لا يرد شره ولا يدفع بلاؤه غير معترفين بحرية الآخر الذي لم ينتقد عدم رغبة هؤلاء في الحضور أو عدم تأييدهم لإقامة مثل هذه الأمسيات. علماً بأنه لم يكن هناك نية أو إشارة إلى حفلة من الصخب والرقص وما شابه، مجرد عزف على البيانو فقط. كان ما كان وحصل ما حصل في هذا الأمر، لكن لم يتم استيعاب الدرس أو أخذ العبرة. لأن هذا الأمر حدث في وقت كان الحديث عن أن هيئة الترفيه تعتزم إقامة فعاليات فنية وثقافية في محافظة القطيف. فعوض أن تتم المبادرة إلى محاولة بذل الجهد لنكون شركاء في اختيار البرامج بما يتناسب ووضع المحافظة الديني والاجتماعي وتحديد ما يمكن أن يكون ذو فائدة على المجتمع القطيفي من مثل ابراز المواهب المحلية الفنية والثقافية والأدبية وسواها، ذهب البعض إلى حالة الرفض الكلي مجدداً والصدام والتجييش والتحزب والغرض من ذلك التشويش على هذه الفعاليات ومنعها من أن تقام في المحافظة. فمتى كان الصدام أسلوباً مجدياً في تصويب أو رفض أو إلغاء حدث ما؟ ألم يكن من الأجدى أن يسعى الجميع لمناقشة كيفية جعل إقامة الفعاليات أمرا ممكناً دون أن يرخي بظلال التشاحن والتباغض؟ ألا يعلم هؤلاء أن القرار في إقامة هذه الفعاليات أو عدمه هو ليس بيدهم ولا شأن لهم فيه أو قرار؟
تم الاعتراض من قبل مجموعة من الأشخاص محتجين على تزامن إحدى الفعاليات مع مناسبة دينية وتمنى البعض أن لا تقام الفعاليات بالتزامن مع هذه المناسبات ومراعاة خصوصية المحافظة وأعرب البعض عن عدم امتعاضه من أن تقام هذه الفعاليات حتى لو تزامنت مع بعض هذه المناسبات. وسط هذا الصخب والضجيج كله كان لي تمني بكلمات بسيطة وكانت مناشدة من بعض المهتمين لمعالي رئيس هيئة الترفيه بتأجيل الفعالية ولم يحتج الأمر هذا جهداً بل كان تجاوب معاليه فوري وتم تأجيل الفعالية. وهذا ما يؤكد على أن التحاور وتبادل الآراء ووجهات النظر هي الحل الأمثل والأنجع للوصول إلى ما يرضي الجميع. ومن هنا أقولها.. الهيئة ماضية في إقامة الفعاليات في كل مناطق المملكة ومعالي رئيس الهيئة ماضٍ في تنفيذ ما تم رسمه لن يثنيه عبث العابثين ولا تهويل المهولين. من كان له رأي أو كلام في هذه الفعاليات فالطريق لذلك هو بالنقاش الهاديء مع صاحب الشأن لا بالعنتريات الفارغة والجعجعة التي لا تنتج طحيناً، من أجل شعبوية يرتجيها هؤلاء ولن يحصلوا عليها. ختاماً أعملوا وحكموا العقل في مناقشة ما نختلف فيه وعودوا إلى رشدكم وبغير ذلك تكون ملامة كل امريء على نفسه فيما أقدم عليه، وعليه تحمل وزره. وفقنا الله وإياكم والسلام ختام .

تعليق واحد

  1. ما يميز المقالات المنشورة في صبرة هو قصرها وصميم ما تهدف اليه ولهذا نجد المتعة في قرائتها والوصول للفكرة بكل اريحية .. مع احترامنا للكاتب الا انه اسهب طويلا جدا في موضوع كان بالامكان اقتصاره واختصاره

    مجرد ملاحظة من متابع لكم يتمنى للكاتب ولكم كل التوفيق

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com