من حكايات الشيخ..العمران..!

فيما كان الناس يرفعون صوتهم بالصلاة على النبيّ بدخوله؛ شقّ الشيخُ الصفّ في اتجاه المحراب. في منتصف الطريق لمح وجه رجلٍ حليق اللحية. تهلّل وجههُ، ثم انعطف يميناً في اتجاه الرّجل. صافحه بمودّة حميمة، قبل إكمال طريقه نحو المحراب، ليُقيم الصلاة..!
إذا كان حلق اللحية حراماً؛ فلماذا يحتفل الشيخ برجلٍ في أواخر الشباب حليق اللحية..؟ هكذا تساءلتُ مندهشاً. أصدقائي “المطاوعة” قرّعوني تقريعاً بعد حلق لحيتي، وها هو شيخنا الذي يؤمّنا في الصلاة يبتهج ويصافح مُصلياً بلا لحية…!
كان درساً لم أفهمه إلا متأخراً. فحلق اللحية، على حُرمته عند فقهاء، لا يمنع من احترام الناس. والشيخ حسين العمران ـ على تحفُّظه الشديد ـ إنسانٌ في النهاية. وحين لمح زميل دراسته النجفية السابق، الشاعر محمد رضي الشمّاسي، فرح لوجوده، وقطع طريقه إلى المحراب ليسلّم عليه.

(2)
الشيخ حسين العمران، شخصية إشكالية بمقاييس كثيرة. منذ عودته إلى البلاد بداية الثمانينيات ـ أو أواخر السبعينيات ـ التزم نهجاً صارماً حدّ الحَرْفية. حصر حياته بين قوسَيْ بيته ومسجده. وبين القوسين، أيضاً، طلاّبه ودائرته الخاصة. كأنه لم يخرج من القوسين قطّ. ولم يتفاعل مع ما يجري من حوله، ولم يُرِ الأحداثَ مدحاً ولا ذمّا.. كما يقول عمّنا المتنبي..!
ثمة صرامةٌ شديدةٌ لم يؤثّر في سِمْتِها شيٌ.
حين نُصنِّفه؛ فإننا نجده ضمن من يمكن وصفهم بـ “النجفيين المحافظين”. المشايخ المتعلّمين على المدرسة الفقهية الأصولية التي لا تحبّ السياسة، ولا تتعاطاها. يتفقون، في ذلك، والمدرسة “الإخبارية”. كلتاهما لديها حسّاسية شديدة، جدّاً، من الأحكام “السلطانية”. تركيزُ نشاطهم الدينيّ دعويٌّ صرفٌ، ومتوجّه إلى الناس عَقديّاً وفقهياً.
هذا التوجّه المتحفظ وضعهم قُبالة الرساليين والثوريين في ثمانينيات القرن الماضي. ثم تخالف مشايخ المدرسة النجفية بعد وفاة زعيم الحوزة العلمية السيد الخوئيّ المحافظ حوزوياً، عام 1993م، تنوّعت التوجّهات، أكثر، برحيل مجايلي السيد الخوئي من الفقهاء. ولكنّ الشيخ العمران بقيَ على التزامه الهاديء بعيداً عن القلاقل السياسية وتوابعها.
دائرته الضيّقة كما هي، وما بين مسجده ومنزله وطلابه يُمضي وقته، باذلاً جهده في استمرار انتقال التحصيل الفقهي إلى الجيل الجديد من الطلاّب.

(3)

“جواب هذا السؤال عند الشيخ أبو عادل”.. هكذا ردّ الشيخ حسين العمران على سائل ذات ليلة. كان السؤال في الإرث. والمسؤولُ حذرٌ بما يكفي لدفع أي التباسٍ في صيغة سؤالٍ يستحلبُ إجابةً محددة، ومن ثَمّ يستفيدُ منها في سياقِ خلافٍ ما..!
لذلك؛ مارس تحاشيَهُ المعتادَ للأسئلة التي تبدو وكأنّها مفخّخة، فردّ السائلَ إلى شيخٍ آخر لديه دِربةٌ طويلة في التعاطي مع قضايا الإرث.. ردّه إلى الشيخ عبدالحميد الخطي مُكنّياً إياه…!
والشيخ الخطي، وقتها، كان قاضي محكمة الأوقاف والمواريث الجعفرية، في القطيف.
كنتُ حاضراً المجلس، في إحدى ليالي إقامته في منزل السيد محمد الشرفاء، المؤرخ. وفي المجلس ذاته؛ سألتُه عن استخدام سيارة حكوميةٍ في أمورٍ شخصية؛ فكان ردّه الهاديء “جواب هذا السؤال ليس عندي”..!
لستُ من مريدي الشيخ، ولا من مجالسيه. بيد أنّني أتفهَّمُ طبيعة مثل هذا التحاشي الهائل، في مجتمع لديه تفسيراته المتضاربة لكل حدث وكلمة وهمسة. وأظنُّ أن المجتمع لم يقرأ الشيخ العمران على النحو الكافي. والشيخ، بدوره، لم يكن يهتمُّ كيف يقرأُ المجتمعُ تحفّظاته وحذره، وتحوُّطه الدقيق. الناس يريدون من كلّ مُتصدٍّ لأي عملٍ عام، دنيوياً أم دينياً، أن يكون على ما يأملون..!
هو التزم طريقته الخاصة، والناس فسَّروا شخصيته، كلٌّ على معياره. حتى أن بعضهم شكاه عند أمير المنطقة الشرقية السابق، الأمير محمد بن فهد، لأسباب ذات خصوصية شيعية لا تتدخّلُ الحكومة فيها عادة. وحاول محافظ القطيف السابق، محمد الشريف، معالجة الشكوى ودّياً بعيداً عن الإجراءات الرسمية. على ذلك؛ صمد الشيخ العمران على ما هو عليه، وتمّ صرف النظر عن الشكوى.
بإمكاني أن أستعير من أبي تمّام وصفاً مركّباً للشيخ، فهو صاحب “حفاظٍ مُرٍّ وخُلُقٍ وعر”، في التعاطي مع الأمور. يمضي في قناعته بهدوء، ويترك للآخرين التفسير. والآخرون بين من يهابه ويُجلُّهُ وينزلُ عند رأيه ورغبته، وبين من يؤلّبُ عليه ويحاول إيغال الصدور عليه.
و
نحنُ بما عندنا، وأنت بما
عندكَ راضٍ، والرأيُ مختلفُ..!
وهذا البيت سمعته من لسانه أول مرة، قبل سنوات طويلة، في إحدى محاضراته بعد صلاة المغرب، في المسجد الذي حاول الإرهابيون تفجيره قبل عامين..!

(4)

“موفق.. لكنّي مو شاعر”…!
وحين قال هذه العبارة؛ عرفتُ أنّ الموضوع مُغلق، وأنّ عليّ الاستئذان للانصراف. كنتُ أجمع مادة بحثٍ لم أُنجزه كما ينبغي. بحث يدرس الشعر في القطيف خلال 40 عاماً، 1370 ـ 1410هـ. وبما أعرفه عن الشيخ حسين العمران من عناية بالشعر والأدبِ زرتُه للسبب البحثي..!
أغلق الباب قبل فتحه. فهو لا يرى في نفسه شاعراً، ولا فقيهاً مجتهداً، على الرُّغم مما يحيط به من صيتٍ علميٍّ، وما يفيض منه من براعة أديبٍ. لستُ من أهل تمييز العلماء. إلا أن الحديث عن بلوغه مرتبة الاجتهاد شائعٌ، وبقوة، منذ سنواتٍ طويلة. ولا أظنُّ أن أحداً أظهرَ غيظاً على وصف الشيخ حسين العمران بـ “المجتهد” أكثر من الشيخ حسين العمران ذاته..!
ولمن لا يعرف؛ فإن مفهوم “الاجتهاد” لدى الشيعة؛ هو بلوغ العالم مرتبةً يكون فيها قادراً على استنباط الأحكام من مصادر التشريع. فيوصف بـ “المجتهد” أو “الفقيه”. وما دون ذلك يكون “متفقّهاً”. الدليل على “اجتهاد” العالم هو “إجازة” فقيهٍ أعلى.
ولآحاد المرّاتِ؛ نُسب إليه نفيه بلوغ الاجتهاد، على الرغم من تكاثر الحديث عن الإثبات. وكأن هذا المستوى العلميّ تهمة يحاول الشيخُ درأها عن نفسه. يحدث ذلك منه في وسطٍ اجتماعي يتهافت فيه معممون على ادّعاء إجازات الرواية والدراية، والمباهاة بشهادات الدكتوراه المشبوهة علمياً وأكاديمياً..!
“الخلق الوعر” يمارسه الشيخ العمران حتى مع صورته العلمية، غير عابيءٍ بشانيءٍ ولا مُريدٍ…!

(5)

ولو مُنحتُ الوقت؛ لتقرفصتُ في مسجده، كلَّ مغربٍ، طالبَ علمٍ باحثاً عن الموروث اللسانيّ القطيفي عند لسان عالمٍ بحجمه. في سنوات المواظبة على الائتمام به؛ كنتُ أعجبُ من احترامه للهجة المحلية، ووفائه للموروث الثقافيّ في عفوية حديثه. يبسط الموضوعات بسطاً علمياً، بعد صلاة المغرب، ويفرّعها من الفقه إلى التاريخ إلى الأدب إلى المنطق، في أداءٍ تلقائيّ بلهجة القطيف “الأصلية”..!
تتصبّب من لسانه الصيغ والأمثال والتراكيب اللهجية بلا توقُّف، ومن دون أن تُعوزه الفصاحة. كان يُخيّلُ إليّ أنه يؤدّي توليفات مثقفة جداً ببساطة شعبية للغاية. وقتها؛ لم أكن أُدرك أنه يُكرم هويته اللغوية، ويخدم نظام بيئته اللسانيّ، ويرتدي قميص هويته المحلية الطبيعية. كنتُ مولعاً بالفُصحى، ولا أحترم سواها..!
لو مُنحتُ الوقت؛ لما فوّتُ هذا المصدر الشفاهي الثري لسانياً. فما من فرصةٍ أسنح من أن يكون مصدرك الشفاهيُّ عالماً مهمّاً، وقادراً على استعمال اللغة الفرع بعقلية مثقف مسكون باللغة الأمّ تماماً.
الشيخ العمران مسكونٌ ببيئته الأولى على نحو أعمق من ذلك. فحين بنى بيته، في حي الحسين، أبى إلا أن يُبنى على الطريقة التقليدية التي نُسميها “عَرَبي”. ولم يكن سهلاً أن يُعثر على “بنَايَهْ” كافيين لإنجاز البناء بعد مطلع الثمانينيات. وحسب ما نُقل عنه؛ فإنه رفض البناء المسلح السائد وقتها.

 

حبيب محمود

تعليق واحد

  1. الشيخ العمران من الرموز التي تستحق الكثير من الحديث عنها ، ولكنه رغم مكانته العالية في المجتمع القطيفي لم ينل جزءا مما يستحقه من الحديث والكتابة عنه ، ولعل سبب ذلك هو ما أشار له كاتب هذا المقال من كره الشيخ نفسه للحديث عنه .
    وحبيب محمود قد أحسن فعلا في مقاله هذا الذي وضع فيه يده على نقاط معينة من سيرة العلامة العمران وضع الكاتب الخبير الذي يحسن اختيار الموضوع والحديث عنه .
    وقد نال هذا المقال حقه من النشر حيث انتشر في وسائل التواصل كثيرا وقد وصلني من أكثر من شخص حتى قلت لأحدهم : لو كتب محبو الشيخ وملازموه عن الشيخ لا أعتقد أنهم سبكتبون هكذا

    حفظ الله شيخنا العمران ذخرا وملاذا ، وشكرا لك يا حبيب ولكل قلم ينير دربا للآخرين .

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com