[مقال] أثير السادة: العمانيون في عمق المشهد المسرحي

أثير السادة

 

ثمة إحساس كان يرافقني وأنا أتابع المسرح النوعي في السنوات الخالية، وسأختار هذا الوصف على سبيل التجوز كمقابل للمسرح الجماهيري، بأن هذا اللون من المسرح هو انعكاس لاستغراق ثقافي وجدل فكري، أي أنه منصة فكرية وفنية في آن، فهو بطبيعته فرار، يفر من الصور الجاهزة، ومستغرق في الأسئلة الكبيرة، ولا يمكن أن تتولد هذه الرغبات مالم تكن هنالك حالة ثقافية ترفده بالأسئلة، وتهبه الوعي النقدي بالواقع وإشكالاته، هذا الإحساس حملني للنظر بكثير من الشك في تجارب بعينها، تصدر من دول لا تعيش قلقاً ثقافياً، ويبدو فيه المسرح النوعي على هامش الاهتمامات للطبقة المثقفة.

المسرح العماني كان واحداً من هذه المسارح التي ستجعل من ذلك الموقف محل مراجعة، حيث سيبحرون مع الآخرين في كل مرة عبر مغامرات مسرحية جادة، ويتركون في دفاتر المهرجانات تواقيعهم الفنية، وهم يخطفون الأضواء والجوائز، كما سيتركون لنا الكثير من الظنون حول قدراتهم وإمكاناتهم، وقبل ذلك الخطوات الثقافية التي قطعوها وهم يقتربون من الوجه الحداثي للمسرح، يراودنا الشك في كل مرة ونظن بأنها ولادة غير ممكنة لمسرح بلا تراكم حقيقي، ومجتمع بلا صخب وسجالات ثقافية تذكر، غير أنهم يصوغون من هذه الشكوك رغبة أخرى لنجاحات متكررة.

يوم أمس فازوا بجائزة أفضل عرض مسرحي ضمن مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، والجوائز بطبيعتها مخاتلة، تصف ظروف المهرجان أكثر مما تصف ظروف المسرح بنحو عام، أي أنها مرتهنة لرؤية المهرجان وآلية عمله، ورغبته في توزيع الجوائز بين عدد محدود من العروض، فيصبح الأفضل يمتلك امتيازا نسبيا ضمن عنوان التسابق المرصود، وليس بالضرورة خارج حدود هذه الدائرة الضيقة..لكن تبقى المهرجانات بمثابة ترمومترات لقياس عافية المشهد المسرحي هنا وهناك، وما مضي العمانيين في طريق نيل الألقاب إلا تعبيرًا عن حضورهم العميق في فضاء المسرح.

لنا أن نشتهي صورة ما من صور المسرح، وأن ندافع عنها، غير أن الواقع يذكرنا بأن المسرح الذي نحلم به ليس كل شيء، وأن هنالك مغامرات جمالية ممكنة دون أن يتوارى خلفها ساحة ثقافية محتدمة بالأسئلة، وأن تراكم المشاهدة والانفتاح على تجارب العالم يمكن أن يهب النضج ويضيق هوة الوعي، فلكل مسرح، من أي بلد جاء، حصة في اشتهاء المسرح والتجريب فيه، وإذا ماشحت الثقافة فيمكن أن يجود المسرح بأسئلته ويتجاوز حتى ظروفه المحيطة.

وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com