[مقال] سالم الأصيل: من أنت؟

سالم الأصيل

 

نحن الذين نظن أننا نعرفنا جيّدًا، نجابِه أنفسنا أكثر ما نفعل في الحياة بما يبدو لنا في هيأة الأسئلة الأكثر “بلاهة”، تلك الأسئلة التي تكون صور أجوبتها هي الأقدم صدورًا والأول نشوءًا ولذلك تبدو الأكثر بداهة.
ذلك الذي يهرع آباؤنا إلى توثيق جوابٍ عنه في السجلات الرسمية، متعجلين بعد أيام معدودة من ولادتنا – قبل أن نَسأل أو نُسأل عنه حتى – كما لو كانوا يريدون القبض على الجواب، ذلك الذي لا يعدو عن كونه عنوانًا، أو جوابًا افتراضيًا، قبل أن يضيع في زخم الوجود.

نحن الذين ليس فقط لم نختر أسماءنا فحسب، بل – كما يقول جوستاين غاردر- لم نختر مظهرنا الخارجي، بل لم نختر أنفسنا حتى.

لكنه مع ذلك يظهر لنا في كل مرة بمحتوى غامض يجدد السؤال، بكيفية وماهية تشبه تلك التي تلقّتها (صوفي) – بطلة رواية عالم صوفي الشهيرة لغاردر- في ورقة صغيرة، في صندوق البريد، دون مُرسِلٍ ولا طَوابع بريدية، كما لو كان السؤال منبعثًا من جهة خفيّة مجهولة أو من الداخل ربما: من أنت؟!

تأتي النهاية، تلك التي لا ندري لا متى ولا كيف ولا أين ولا إلى أين حتى، تأتي، دون أن نعرف الجواب، ليبقى السؤال وحده مستمرًّا معلّقًا بعلامة الاستفهام المعقوفة، ويسقط الجواب في حفرة أو يرتفع إلى أعلى، لا فرق، مُخفيًا معه السر في غلاف مختوم.

هذا السؤال وأسئلة مصاحبة لاحقة يحملها صندوق الحياة – ببقائها أسئلة حية – هو ما يجعلنا أحياء، والتفكير فيه هو ما يجعلنا جديرين بالبقاء على قيد الحياة.

هذا في الجوهر، أما في المحسوس، فإذا كان ما يميز الإنسان ويجعله متفردًا عن سواه؛ أول ما يجعله، هو وجهه، فهذا هو وجهي.

صحيح أن الطبع والروح دليلان على الأنا، ورغم أن الوجه – كما قال كونديرا في الخلود وهو يواجهنا أمام المرآة- ليس هو أنانا، إلا أننا بدون هذا “الوهم الأولي والأساسي” ما كان بوسعنا الاستمرار في الحياة.

هذا الوجه أراه ماثلاً أمامي كلما حدقت في المرآة الصامتة التي لا تعكس إلا صورة دون أن تنطق بكلمة، أراه بكل ما يعتريه من تغير يومًا بعد يوم رغم كونه افتراضًا دليل فرادتنا وكأنه رقمنا التسلسليّ الذي يميزنا به الآخرون عن غيرنا من أول نظرة.

ألا يشبه هذا كهف أفلاطون وناره المتقدة؟ تلك التي تضيء الأشياء فتلقي بظلالها على الجدار المُقام أمامه ولا يعكس إلا ظلال الأشياء وليس حقائقها.

تعليق واحد

  1. في بعض الأحايين عندما أنظر للمرآة اقول: من هذا
    وفي مرات عديدة اقول: هذا وجهي نعم انه وجهي انا، ثم اتحسس زواياه واطرافه واقول: نعم هو.

    شكرا استاذ سالم على المقالات الجميلة

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com