سِفْرٌ ثمينٌ ظلمه مؤلفه وناشره…! معجم البيئة الزراعية لواحة الأحساء

مراجعة: حبيب محمود

على غير قصدٍ؛ ظُلِم “معجم البيئة الزراعية لواحة الأحساء”، بطريقتين. ظلمه مؤلفه أولاً، ثم ظلمه ناشره ثانياً. ولسوف يظلمه قارئه ثالثاً. ولم يكن أيٌّ من الظالمين الثلاثةِ قاصداً ظلماً في كلّ الأحوال..!

صدر الكتاب في طبعتين، أولاهما عام 1429، والثانية عام 1435هـ. ستُّ سنواتٍ تفصل بين الطبعتين، ما يُشير إلى “نفاد الكمّية” في زمنٍ وجيزٍ لسفرٍ متخصّص في بابه، بل وفي نطاق موضوعه الجغرافيِّ الذي حدّه الدكتور محمد الدوغان بين قوسَي واحة الأحساء، وهذا هو الظلم الأول الذي مُنيَ به المعجَم..!

سِفْرٌ ثمين

في الطبعة الأولى؛ رصد الدكتور الدوغان 1720 مصطلحاً زراعيّاً في واحة الأحساء. وفي الطبعة الثانية زاد عدد المصطلحات إلى 1763. رتّبها على حروف المعجم، وعرضها معرّفاً شارحاً معانيها المحلية، مستعيناً بمصادر شفاهية في المجتمع الزراعيّ الأحسائي. وحاول تأصيل كثيرٍ منها محتكماً إلى معاجم اللغة العربية. فوق ذلك؛ وفّر مئاتٍ من الصور المُخبرة الشارحة لعددٍ ضخم من المصطلحات التي لم يعد يعرفها إلا الراسخون في الزراعة..!

ثم ألحق المعجم بمسردين للمصطلحات: لاتيني ـ عربي “محلي”، و إنجليزي ـ عربي “محلي”.

تلك مهمّةٌ شاقّة احتاجت إلى سنواتٍ من البحث والسؤال والمراجعة. ونتاج هذه المهمة سفرٌ هو الأول من نوعه على مستوى المملكة العربية السعودية، حسب علمي. صحيحٌ إن مهمته معجمية؛ إلا أن مادّته توفّر ما هو أوسع من المعنى الاصطلاحي للمنقّبين عن الإشارات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية المتفاعلة في النشاط البشريّ المتوارث.

أوسع من الأحساء

حين حصلتُ على الكتاب، هديةً من جامعة الملك فيصل في 2012، أعملتُ جهدي في مقارنة مصطلحاته بالمصطلحات المستعملة في القطيف. واستعنتُ بمصادر شفاهية، وطلبتُ مساعدة متعلّمين ذوي خبرة زراعية. ومن كل ذلك؛ انتهيتُ إلى نتيجة تكاد تجزم بأن 1600 من مصطلحات الكتاب هي نفسها المستعملة والشائعة في القطيف أيضاً. ولديّ بعض الإشارات إلى اتساع هذا التشارك الدلالي ليشمل مملكة البحرين أيضاً.

لو توقفنا ـ مثلاً ـ عند ما كان يُعرف نظام التضمين (إيجار البساتين) و المؤاكرة (العمل بأجر)، ونُظم الريّ والصرف الرزاعيّين.. لو توقفنا عند هذا المثال؛ فسوف نجد الأحساء والقطيف والبحرين على حدّ سواء في النظام وفي الاصطلاح والعُرف الزراعي. وقد بقيت هذه الأنظمة حتى عهدٍ قريبٍ. ومن هذا النظام تتفرّع أنساقٌ مختلفة من الأعمال والأنشطة الزراعية، بما في ذلك الحرف والمهن اليدوية والتسميات.

وفي بعض الاختلافات ظُرف، فمثلاً؛ هناك عدة لتسجين النخيل (تقطيعها فنياً في شكل جذوع). هذه العدّة يسمّيها الأحسائيون “عيال العافية”، لكن سكان القطيف يسمّونها “بنات العافية” وهذا الاختلاف الظريف لا يشكّل فرقاً..!

وعلى النحو وجدتُ الكثير من التطابق الاصطلاحي الذي لا يمكن استعراضه هنا. إلا أن المحصّلة تنتهي إلى نتيجة التشابه والتطابق في مصطلحات المعجم.

إرثٌ مشترك

إن حواضر بلاد البحرين القديمة “*أوال، الخط، هجر*”، خضعتْ إلى أنظمة زراعية واحدة، عبر التاريخ. وعلى مدار التاريخ، أيضاً، كانت النخيل عماد اقتصادها الزراعيّ وأساس معيشتها إلى جانب الصيد والغوص. وساعد تقاربها الجغرافيّ على تبادل الخبرات الموروثة، خاصةً أنها خضعت ـ مجتمعة ـ للهيمنة السياسية التي جاءت بها الدول المتعاقبة، وليس ثمة استثناء إلا في العصر الحديث، حيث انفصلت أوال (مملكة البحرين) عن شرق الجزيرة العربية، سياسياً، بعد وضع البريطانيين يدهم عليها.

وطبيعيٌّ جداً أن يتوافق سكّان الحواضر الثلاث على أنظمة زراعية متشابهة، ويتواضعوا على مصطلحات وتسميات متطابقة، وتنعكس المصطلحات والتسميات على لغتهم اليومية. واقع الأمر؛ هو أن إرثهم الزراعيّ ضاربٌ في العمق وصولاً إلى حضارة “ديلمون” التي كانت تقدس النخلة، ومتفاعلٌ مع ما أفرزته حضارات بلاد ما بين النهرين، ومصقولٌ بخبرات الأنباط. وما وصل إلينا من هذا الإرث؛ إنما هو عُصارة حضاراتٍ متعاقبة.

الأحساء نموذجاً

وقد وضع الدكتور الدوغان يده على جانبٍ من هذا الإرث، وبذل جهداً عظيماً في توثيق بعضه مستنداً إلى مساحة جغرافية محددة. وهذا هو الظلم الذي ارتكبه المؤلف في حق المعجم. ولو كنتُ مكانه؛ لجعلتُ من الأحساء نموذجاً لبلاد البحرين القديمة (أو المنطقة الخليجية)، استناداً إلى ما تتشارك فيه حواضر الخليج العربي من إرثٍ زراعيٍّ متطابق في خطوطه العريضة.

ظلم الناشر

أما الظلم الثاني؛ فهو محدودية انتشار المعجم. بإمكاني القول إن هذا الوعاءُ اللسانيّ الفلكلوريّ الثمين “مدفون” في جامعة الملك فيصل التي تبنّت طباعته، طباعةً فاخرةً، وخصّصت له تكلفة سخية. إن نفاد طبعته الأولى في غضون ست سنواتٍ؛ ينبّه إلى ما يعنيه المعجم لدى المتلقّي الذي سوف يظلمه، أيضاً، لأنه لن يكون قادراً على الحصول عليه إلا عبر طلبه هديةً من الجامعة.

إن الجهد الكبير المبذول في بناء مادته وتأصيلها؛ جديرٌ بأن يصل إلى الناس. صحيحٌ إنه كتاب معجمي متخصص، لكنه ـ في مادته ـ كتابٌ للناس، ومن حق الناس أن يحصلوا عليه. إنه واحدٌ من أوعية المعلومات الحاضنة جزءاً ثميناً من إرثهم.

 

الطبعة الأولى من المعجم

عن الكتاب

  • ـ الكتاب: معجم البيئة الزراعية لواحة الأحساء.
  • ـ المؤلف: الدكتور محمد بن أحمد الدوغان، قسم اللغة العربية، جامعة الملك فيصل.
  • ـ الناشر: مركز التأليف والترجمة والنشر، جامعة الملك فيصل.
  • ـ 294 صفحة، من القطع الكبير، ملوّن.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com