مبتعثة سعودية تهزم السرطان وتُنجب طفلة سليمة عاشت كما أرادت وليس كما أراد المرض

قال لها أطباء أمريكا إنها لن تُنجب.. وإرادة الله قرّرت أمراً آخر

القطيف: فاطمة المحسن

في الـ 19 من ديسمبر الماضي؛ حضرت فعّالية توعوية بمرض سرطان عنق الرحم. وبعد انتهاء المحاضرة الأستاذة الدكتورة فتحية الجامع؛ تسلّمت ضيفتنا لاقط الصوت، وروت قصتها مع السرطان.

وهنا؛ تنشر “صُبرة” تفاصيل القصة، مع التزام أخلاقيّ هو ألاّ ننشر اسمها، بناءً على طلبها.

ليلتها شعرت بأن قصتها مع المرض، ليست ملكاً خاصاً بها، وكان لديها شعور، يدفعها لأن تحكي القصة بكامل تفاصيلها للجميع، لعل فيها إفادة لشخص ما.

وعندما وقفت للحديث، لم يكن الجميع منتبهاً إليها بالقدر الكافي، خاصة أنها شابة لم تتجاوز الـ23 عاماً، ما يشير إلى أن تجربتها ـ ربما ـ ليست “ناضجة” بما فيه الكفاية، ولا تستحق الالتفات التام.

تحدثت بصوت هادئ ومقنع، يخرج من أعماق القلب، اختارت كلمات وعبارات عفوية وبسيطة للتعبير من تجربتها، احتاجت دقائق معدودة، كي تبهر الحاضرات بقدرتها على إيصال الرسالة التي أرادت أن ترسلها لهن، معتمدة على نبرات صوتها المؤثرة.

دخلت حرباً وجودية مع “السرطان”، وقررت أن تعيش كما رغبت هي، وليس كما رغب لها المرض، فكان لها ما أرادت..

هزمت السرطان، بسلاح الثقة بالله والتفاؤل، بعدما رفضت التسليم ببعض النظريات الطبية، التي أشارت إلى أنها لن تكون أماً في يوم من الأيام، وإنها إذا أنجبت، سيكون مولودها غير سليم صحياً..

بدأت قصتها بألم بسيط.. واكتُشف المرض في عملية جراحية لم تتم

بداية القصة

الإبنة الصغرى لعائلة مكونة من سبعة أفراد، تسكن في مدينة القطيف، انضمت لبرنامج الابتعاث السعودي للولايات المتحدة الامريكية مع أختها وأخيها. ولم تكن تعلم أن إصابة عمتها بمرض السرطان، ستؤثر عليها سلباً، لتُفاجأ فيما بعد، بوجود إشارات لإصابتها هي الأخرى بنوع آخر من السرطان، وذلك عندما كان عمرها 19 عاما.

أثناء إجازة قصيرة، قضتها بين أهلها في مسقط رأسها، شعرت بألم بسيط، في الجهة اليسرى من البطن، سرعان ما تحول إلى ألم لا يُحتمل، دون اكتراث به لعدة أيام، تناولت خلالها المسكنات الاعتيادية، وقررت التوجه إلى الطبيب، الذي طمأنها ووصف لها مسكنات أخرى، ولكنها لم تنجح في الحد من شدة الألم، إلا أن سعادتها بوجودها بين أهلها، كان جديراً بإهمال الأمر، طالما أنها بعد أيام سترجع للولاية الأمريكية لاستكمال دراستها هناك.

عادت إلى أمريكا، وهناك ازداد الألم أكثر وأكثر، ومع ملاحظة انتفاخ في البطن، ما أجبرها على التوجه لمستشفى، وهناك شخص الطبيب الحالة على أنها مجرد “فتق”، ويحتاج إلى تدخل جراحي، وبعد انهاء بعض أمور الدراسة من واجبات واختبارات، قررت اجراء العملية الجراحية بعد أسبوعين.

وكانت هي المرة الأولى التي تدخل فيها المستشفى، وتحديداً قسم التخدير، تم تخديرها، لتستفيق على صوت جهاز التصوير بالموجات فوق الصوتية، وصوت الممرضة: “هل أنتِ بخير”؟ أخبرتها بأنها بخير مع عدم وجود أي آثار لعملية.

السؤال الصاعقة

كان أول سؤال يُوجهه الطبيب لها: هل لدى عائلتك تاريخ مع مرض السرطان؟، سؤال الطبيب وقع عليها كالصاعقة، وكان بحد ذاته كفيلا بأن يؤكد لديها هواجس باصابتها بالمرض مثلما أصاب عمتها سابقا، إلا أن الطبيب بادرها، ببصيص أمل بأن يكون الأمر مجرد اشتباه، وليس تأكيداً، أرسل الطبيب التحاليل وصورا من الأشعة إلى مستشفى متخصص في الأمراض السرطانية، وطلب منها الانتظار إلى ظهور النتائج.

 انتظرت النتائج بفارغ الصبر، ولسانها يلهج بالدعاء بألا تكون شكوك الطبيب في محلها. وفي اليوم التالي، وردها اتصال بإيجابية التحاليل المرسلة، وبأنها مصابة بـ”السرطان”، غير إنهم غير متأكدين من نوعية السرطان.

استعادت حياتها ونجحت في عملها وصارت اختصاصية معتمدة

مشكلة الوالدين

لم يكن من السهل اخبار أختها وأخيها اللذين يدرسان معها في الولاية نفسها، فكيف لها أن تخبر والديها بالأمر؟، وأخيراً أخبرت أختها وأخاها، واتفق الثلاثة على عدم إخبار والديهم أو أي شخص آخر بالأمر.

 في اليوم التالي، راجعت مستشفى الأورام السرطانية، الذي يبعد ساعة عن مقرّ سكنها، وبعد إجراء الفحوصات اللازمة، لم تستلم النتيجة ورقياً، إنما كانت واضحة في وجوه الممرضات حينها، مع نظرات شفقة وحزن، بأنه ربما تفقد فتاة في التاسعة عشر حياتها، كان صوت الطبيب ممزوجاً بالألم، وهو يخبرها بأنه “سرطان المبيض”، ويؤكد لها أنه من أخطر أنواع السرطانات، وأصعبها اكتشافاً، كان الأمر صادماً لها، ليس للإصابة بالمرض، الذي كانت تتوقعه، وإنما لأن الإصابة جاءت في عمر مبكر جداً من عمرها.

مفاجأة تتصاعد

طلب منها الطبيب ضرورة وجود أحد من أهلها، قبل أن يجري لها عملية استئصال المبيض، ومع تزايد الضغط وتخييرها بين “الموت” و”الحياة”، طلبت وقتاً لتفكر فيه، وتعزز خلاله ثقتها بالله وقدرته على شفائها، والإيمان بأن ما يحدث لها ما هو إلا امتحان من عند الله، لابد ان تنجح فيه.

كانت حياتها الأهم في نظر أختها وأخيها، حتى لو لم تستطع الإنجاب مستقبلا، أدركت أن استئصال المبيض هو موت من نوع آخر لديها، لعدم قدرتها على الإنجاب إذا ما تزوجت، إلا إن اصرارهم على إجراء العملية، واستئصال المبيض كان الأقوى، والتسليم بأمر الله فرض الطمأنينة على الجميع.

دعم معنوي

“الأخوّة سند”، كانت تردد هذه العبارة دائماً قبل أن تصاب بالمرض. وتقول: “وجودهما ودعمهما المعنوي قبل وبعد العملية، كان له الدور الأكبر في بقائي نفسياً بحالة جيدة”. التهيئة النفسية التي قُدمت لها، كانت كفيلة بأن تعزم على تلقي العلاج بالكامل.

استغرقت العملية 4 ساعات، استيقظت بعدها وكان أول سؤال: هل أنا قادرة على الإنجاب؟، احتضنتها الطبيبة.

وثقت في الأطباء الذين قدموا لها العلاج، ليس لسبب سوى أنهم يعملون في مستشفى يعد الأفضل في ولاية تكساس، لم يخفوا عنها أي خطوة من خطوات العلاج ومدى تقبل جسمها له، وبأدق التفاصيل، كما كانوا في سعي دائم لتوفير سبل الراحة والدعم النفسي لها، ما عدا محاولتهم مواساتها في عدم قدرتها على الانجاب، وكانت ترد عليهم بأن “إرادة الله فوق كل شيء”.

عيد الميلاد

استكملت مرحلة العلاج بعد العملية الجراحية، بالجلسات الكيماوية، شكّل انخفاض الوزن لديها حائلاً دون البدء في الجلسات الثلاث المقررة لها، وبعد زيادة الوزن خلال أسبوعين، بدأت أول جلسة علاج، التي صادفت يوم عيد ميلادها العشرين، سعادة الطاقم التمريضي بعيد الميلاد حال دون نظرات الشفقة، كونها أصغر مريضة مرت عليهم.

أجبرتها ثلاث جلسات علاجية، موزعة على مدى خمسة أيام، بمعدل 8 ساعات، على توقف دراستها، مع وجود تعاون بين الجامعة والملحقية الثقافية السعودية بأمريكا في هذا الأمر، كان العلاج في بداياته بجلسات هادئة بسيطة، لم تحس بألمها، ولكن بعد أسبوعين، اختلف الوضع، حيث ظهرت الأعراض المصاحبة للعلاج الكيماوي، من تساقط الشعر، وضعف النظر، وانعدام حاستي الشم والتذوق، مع الكثير من الغثيان والخمول، وبالطبع ضعف الشهية ونقص المناعة، الذي يتطلب تجنب الذهاب للأماكن العامة، وتجاوز عدد العلاج حاجز الثلاث جلسات، وامتدت إلى سبع، وأصيبت بحالة نفسية أكثر سوءاً، ليس لطول فترة العلاج، وإنما لأن هذه الجلسات أصابت المبيض السليم لديها بالتلف، وظهرت عليها علامات سن اليأس.

شقيقاها وقفا إلى جانبها في الغربة.. حتى تجاوزت أزمتها

قوة داخلية

رفضت الاستسلام للأمر الواقع، واستمدت الأمل من جديد، هذا الأمل نبع من داخلها هي، إذ قررت أن تهزم المرض، وتعيش كما أرادت أن تعيش، وليس كما أراد المرض. وتقول: “يحدث أن تكون محاطاً بالإيجابيين، دون أن تكون منهم، ويحدث أن لا أحداً يستطيع أن يعطيك الايجابية، ما لم تؤمن بنفسك بأنك بحاجتها، وكان قراري الصارم، بأن أعيش حياتي كما كنت أحلم، فعدتُ إلى الجامعة كخطوة أولى بعد كل جلسة علاجية، بغض النظر عن التحذيرات الطبية بضعف المناعة وعدم الاختلاط بالآخرين”.

وتتابع: “رفض أساتذة الجامعة وجودي في القاعات الدراسية، إلا أن قوة الإرادة لدي أقنعتهم بأن علاجي يكمن في حضوري في الأماكن التي أحبها، وبالقرب من أشخاص أرتاح لهن، وهن صديقاتي”.

صبر جميل

استعادت صحتها وعافيتها أخيراً، وواصلت دراستها، وبعد ثلاث سنوات من العلاج، تزوجت، وكانت المفاجأة الكبرى، أنها حملت في أحشائها جنيناً، أعاد الأمل إليها.

في هذه الأثناء، عبر الأطباء عن خشيتهم أن يكون الجنين معرضاً للإصابة بمرض متلازمة داون، بيد أن هذه التوقعات، لم تشوه ثقتها الكبيرة في الله، الذي استجاب لدعائها، وأنجبت طفلة سليمة.

الآن؛ تعمل اختصاصية تعديل سلوك، معتمدة عالمياً في أفضل مراكز التوحد على مستوى السعودية والخليج العربي، وتمارس حياتها بشكل طبيعي.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com