عدنان العوامي في السيرة الأخرى

كتب: حبيب محمود

حين راسلَنا مُصحّحاً ما نشرته “صُبرة” عن سوق الخميس في مذكّرات الضابط البريطاني ساردير؛ عنّت لي العبارة التالية: “أينما بدأتُ؛ وجدتُ هذا الرجل أمامي”…!

وأظنّ ـ غير آثمٍ ـ أن كُثُراً بدأوا، وكان عدنان العوامي أمامهم على نحو من الأنحاء. وعن نفسي أتحدث في أول أمسية شعرٍ “رسمية” أجلستني على منصّة، فقد كانت برفقة شفيق العبّادي وعبدالكريم زرع، وكان العوامي أمامنا، بوصفه الدافع بنا إلى تلك الأمسية التي أقامها مركز الخدمة الاجتماعية أوائل التسعينيات..!

وفي أول تجربة صحافية جادّة؛ وجدتُ عدنان العوامي أمامي أيضاً. ربّما بدا خصماً شرساً مراهناً على “تبويخ” مجادله، إلا أن الحقيقة انطوت على ما هو أعمق من تواضع الأستاذ أمام تلميذه، أو وفائه ـ الأستاذ ـ لأستاذه.

ملخّص القصة هي أن الأستاذ العوامي اعترض ـ مباغتاً ـ على جزئيةٍ من مقالٍ لي نشرتْه صحيفة “اليوم” أوائل 1993م. أشارت الجزئية إلى نقل الأستاذ محمد سعيد المسلم، رحمه الله، عن الأستاذ عبدالعلي السيف، دون الإشارة إليه. هذه الجزئية أثارت نقاشاً متبادلاً بين الأستاذ العوامي وبيني أشهراً طويلة..!

ردٌ على ردّ، وتعقيبٌ على تعقيب، واعتراضٌ على اعتراض. حدّة من الأستاذ، وحدّة من التلميذ، وانفعالٌ هنا، يقابله انفعالٌ هناك.. حتى يُخَيَّل لمن قرأ تلك المطارحات أننا “نتزانط” لو التقينا في مكانٍ واحد. والحقيقة هي أننا كنا نلتقي في مجلس الأستاذ عبدالكريم الشيخ، في القديح، دون أن ألمس من الرجل غمزةً أو همزةً. أظنّه قدّم لي درساً في أخلاقيات الخصومة، فما كنا نقوله في صفحات النقاش، لا انعكاس له في أيّ مكان آخر، غير صفحات “اليوم”.

كان “أبو أحمد” حديث الانضمام إلى نادي المتقاعدين، وكنتُ في أواخر الثالثة والعشرين من العمر. وعلى ما تسرّب من جرأة “الشاب” عليه في النقاشات، وما تدافع من كلام تلك المقالات المتناطحة، لم يُظهر “الكهلُ” جنَفاً أو “يخفس” وجهه أمام خصمه الشاب..!

الآن، وبعد تجربة صحافية ناهزت ربع قرنٍ، وهي مدة زمنية تُضارع نصفَ ما عشتُ، أستطيع الجزم بأنني لم أخض تجربة اختلاف رأيٍ أنبل مما منحني عدنان العوامي في تلك الخصومة الجامحة. لا أتحدّث عن تغيير رأي لي فيما طرحته مخالفاً أستاذي في تلك المجادلات، بل عن كيف أثبت لي الرجل النبيل أنه ـ وبرغم خصومته ـ بقي رفيعاً في إنسانيته، وأن عفوية روحه وقلبه لا كِبْر فيها حتى أمام تلميذ يحاول كسر جدار البيضة..!

أظنّني ـ مثل غيري ـ دخلتُ في اختلافات وخلافات وخصومات كثيرة. العمل في الصحافة، كل هذه السنوات، يجلبُ المشاحات والمشاحنات. تلك طبيعة قائمة، شئنا أم أبينا. بيد أنني لم أعثر على نسخة أُخرى من عدنان العوامي، ولا حتى نسخة باهتة منها. لم أعثر على أحد أختلف معه في طرحٍ ما؛ دون أن “يبرطم” أو “يخنفس” أو “يتصدّد”، وكأنني هتكتُ كرامته الشخصية..!

ذلك درسٌ عليّ الاستمرار في حفظه لأستاذي العوامي، ناهيك عن الاعتراف به. وهو بابٌ سوف أفتحه، عمّا قريب، لأذهب مع “الشاعر، الباحث” نحو سيرة أُخرى، ليس لها علاقة بالسيرة الأدبية. وحين منحني، مساء البارحة، قطعةً كريمةً من وقته؛ انفتح باب السيرة الأخرى، على تفاصيل راحت تسرد ما تيسّر من حكاية طويلة لـ “عدنان السيد محمد العوامي” المعجون بريف التوبيّ.. المُتشبّع بخيالات النخيل والبحر، الآتي من صلب التجربة الكادحة..!

وبالمشيئة؛ سوف نسرد السيرة، بعد أيام، مطلع فبراير المقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com