الناقد محمد العباس: لو اتجهت نحو العمامة؛ لصرتُ “عاملاً بلا بصيرة” بعض الدجاجات "تستَدْيُك" كما "يستَنْوُق" الجمل..!

كتابة النص الأدبي تحتاج إلى بياض شعوري لا أمتلكه

شاغبه: علي سباع

الناقد محمد العباس، الذي يمسك بالثقافة بيدٍ واسعة، متمرّدٌ أحياناً، وأحياناً أخرى ماهرٌ في استخدام وعيه، متمكّن من أدواته، جاهزٌ لاكتشاف اللحظة، سواء في التواصل الاجتماعي أو الحياة الواقعية، سواء على الشاشة أو في الشارع، هو أكثرُ النقّادِ اقتناصاً للسؤال، لهذا يشكّل بأفكاره الصادمة مواجهة، وبأفكاره المسايرةِ محلّ شكّ وظن، لكنه أبداً لم يكن عابراً، وعلى ما يبدو لن يكون أبدا :

عضلة اجتماعية

ماذا لو ولدت كما تولد الفكرةُ، ما الذي ستكونه؟!

سأكون كما أنا عليه اليوم، فللفكرة حياة بيولوجية تشبه حياة الكائن البشري. تنمو كطفولة ومراهقة وشباب وشيخوخة. بمعنى أنني ـ كفكرة ـ سأكون اليوم مؤرشفًا كذكرى لسجالات الولادة. المهم ألاّ أكون ابنًّا للكلمات كما كان يباهي سارتر. فليس أقسى على الفرد من افتقاده للعضلة الاجتماعية.

لا تصدّق الطبيب

ماذا لو أخبرك الطبيب بأنك لن تموت أبداً؟!

معظم الأطباء لا نصدقهم حين يشخصون أمراضنا، ولا نأبه بما يصفونه لنا من علاجات. ودائمًا نفضل الاستئناس بآراء المجربين، المجروحين بعذابات الأمراض عوضًا عن أولئك المكفنين في “أرواب” العفة الشفائية البيضاء، المشنوقين بسماعاتهم، التي لا تصغي إلى القلب إلا كمضخة للدماء. بطبيعة الحال سأكتم ضحكة صفراء في داخلي وأهنىء الطبيب على ترقية نفسه من معالج إلى بائع أحلام.

سيهات كصديق

ماذا لو كانت سيهات رجلا؟!

عندها ستكون سيهات هي الصديق الذي لا يجود الزمان به. الصديق الذي له حَدِب الأمهات، وحُنُّو الآباء. الصديق الذي يصافحني بيد كبيرة تعيد لي الثقة في العالم.

على غير طريق

ماذا لو اتجهت إلى العمامة دون النقد والأدب والثقافة؟!

سأكون كما قال صديقي علي بن أبي طالب: العامل بلا بصيرة، كالسائر على غير طريق، لا تزيده سرعة السير إلا بُعداً.

استدياك

ماذا لو لم يكن هنالك ديك؟! “حكاية الدجاجة والبيضة”

ستصاب الدجاجة باكتئاب هوس أبدي، وربما “تستديك” بعض (الدجاجات) كما يستنوق الجمل.

تعطل لغة الكلام

ماذا لو اشتبه عليك الفارق بين الوحل والرخام؟!

عندها سأضرب بمقولات أفلاطون عرض الحائط حول مفهوم الحواس العليا والحواس الدنيا، سأحيّد حاسة الشم والنظر، وسأحتكم إلى حاسة اللمس، سيدة حواس الإفضاء للمحبوب عندما يتعب النظر وتتعطل لغة الكلام.

سوء فهم أبدي

ماذا لو كنت الرجل الوحيد في عالم كلّه نساء؟!

الحُبّ ـ كما أعرّفه ـ هو حالة سوء فهم أبدي بين المرأة والرجل، وعندما أكون ذلك الرجل المستفرد بالنساء سأكون محفوفًا بطوق نجاة ناعم من الجفاف الحسّي، ومصابًا بصداع عاطفي يفسد عليّ امتياز كوني واحديًا في علاقتي بالمرأة. أن أكون كثيرًا ومبعثرًا، يعني أن أتبدد في الهوامش ولا أتكثف من أجل ميعاد وموعد وحيد واستثنائي.

أشباه الروائيين

ماذا لو كتبت روايةً؟!

سأضيف إلى أشباه الروائيين متطفلًا جديدًا يثقل ظهر الرواية بمدع آخر.

الرصاصة

ماذا لو كنت رصاصة في الهواء؟!

سأشعر بالخفة والسرعة وبانعدام الوزن والعقل، وسأفتقد لذة كوني تلك القُبلة التي يحرم غودار تصويرها سينمائيًا بذات الإيقاع والسرعة التي تُصور بها الرصاصة.

الحلم

ماذا لو أنك استيقظتَ للتوّ وكل ما كان حلماً؟!

سأشعر بغضب بسبب انقطاع خدر قيلولتي الأبدية. وسأشعر بغضب أكبر لأنني لا أقدر على التقاط موجة البث الإيهامي مرة أخرى.

كرة الثقافة

ماذا لو وضعت كرةُ الثقافة بيدك، التنافسُ أم الحرية أم الإبداع؟!

الحرية هي تاج الثقافة والإبداع، لا ثقافة من دون حرية. ومن لا يستشعرها في داخله ولا يستهدفها في طريقه فكأنما ينفخ في الهواء. الثقافة، أو ذلك الهدير القادم من أعماق التاريخ، كما يصفها ريجيس دوبريه، هي شعلة الكائن في درب الحرية والحضارة. لن أتنازل عن فكرة التلازم البنيوي ما بين الثقافة والحرية.

الكرة الأرضية

ماذا لو كنت مفتّشاً من كوكبٍ آخر على هذه الحياة وطلب منك تقييماً عن الوضع في الكرة الأرضية؟!

سأكتب فيه أن الكرة الأرضية مأهولة بكائنات شيطانية تتفنن في إتلاف هذا الكوكب وإعتامه، لولا وجود ذلك الخيط الضئيل من المتنورين الذي يجعلون الكرة الأرضية محطة صالحة للعبور المؤقت.

رواية

ماذا لو وجدتَ حياتك في رواية، هل تقرأها للنهاية؟!

بعض حياتي موجود بالفعل في روايات. أجدني مبعثرًا في روايات عالمية، وأتعرف على ذاتي مرويًا برؤية آخرين. تجاربنا كبشر مستعادة في حيوات الآخرين ومؤرشفة في كتاباتهم. سأقرأ الرواية التي تسردني حتى نهايتها. وأعلق علامات تعجب لها رنين الدهشة حول مغزى التطابق بين حياتي وما يرويه آخرون.

ماركيز عربياً

ماذا لو كان ماركيز عربياً؟!

هذا يعتمد على موقعه عربيًا، فالمغاربي العربي غير المشرقي غير الخليجي.

الكلمة الخرساء

ماذا لو كانت “الكلمة الخرساء” تتكلم نثرا؟!

الكلمات الخرساء تتكلم بالفعل، فهي سكتات يحتاجها النص ليلتقط أنفاسه، شقوق يتسرب منها لهاث الذات المتكلمة. إنها الإيقاع الخفي كالهواء الذي نتنفسه ولا نراه. إنها سر سحرانية النص المعلن الذي يتأسس على نصٍ تحتي. الكلمة الخرساء مفردة خرجت من النص احتجاجًا على زحام الكلمات الثرثارة.

قطار محمد العباس

ماذا لو سار قطار محمد العباس النقدي على سكّة الأدبِ فقط؟!

أظنني سأكتب حينها نصوصًا معقلنة، بل طافحة بالأفكار، وسيغضب مني هيجل الذي يتأفف من النصوص التي يرتفع فيها منسوب الأفكار فتتحول إلى خطابات. كتابة النص الأدبي تحتاج إلى بياض شعوري لا أمتلكه، وإلى صفرٍ فكروي مقابل رحابة تعبيرية لا طاقة لي بتبعاتها. النصوص المفكرنة تدخل الذات الكاتبة في حالة صراعية مع القيمة الأدبية.

لا توجد منطقة لجوء

ماذا لو أعطينا الشعر والرواية خيارَ البلد العربي الذي يضمن لهما بيئة نقدية تنافسية تنفتح لهما من خلالها القيمة العالية في الكتابة، أين سيكون خيارهما؟! ولمَ؟!

لا توجد منطقة لجوء آمنة لأي جنس أدبي، الشعر والرواية نشاطان فرديان، ومع تكثّف العالم في مساحة الغرفة الواحدة، لم يعد هنالك بيئة محرضة وأخرى محبّطة للمبدع. وكذلك للنقد الذي صار بمقدوره التماس مع أي منتج شعري أو روائي بعد لحظات من نشره.

كاتسيمياليس

ماذا لو كنت تمشي في غابة، ووجدت رجلاً عن طريق المصادفة؟! (صفه لنا)

سأتخيله مثل (كاتسيمباليس) صديق هنري مللر في (عملاق ماروسي). سمته الجسدي والروحي يوحي بتأهبه الدائم للحوار. طريقته في الكلام والمشي تُشعرني بصلابة الأرض التي نسير عليها. يشبه من الوجهة الجسدية الأرض التي نبت لي منها، ويمتلك من الوجهة النفسية ذلك السحر الذي يبقيني على تماس مع وعيه وحديثه وتعبيراته. إيقاع كلامه وحركاته مضبوطة على إيقاع استمتاعي بصحبته.

الانتقام

ماذا لو كنت مظلوماً، كيف تنتصر؟!

أنتظر ذلك اليوم الذي يتوب فيه من ظلمني ليقترب مني مستسلمًا ومعتذرًا، وهذا يحدث معي في الواقع ولو بعد حين، وإن كان يحدث في حالات نادرة جدًا، ومن أشخاص يجهلون حتى من أكون. وفي أحيان كثيرة أتأمل من ظلمني وهو يطفو كجثة في بحر خطاياه وسوء تقديره. المرات القليلة التي فكرت فيها بالانتقام ندمت عليها، وتمنيت لو أنني لم أراود نفسي بفكرة الرد بالمثل.

سفينة نوح

ماذا لو كنت على سفينة نوح وأخبروك أن تحمل معك ثلاثاً؟!

إنسان، وماء، وكتاب.

الموت

ماذا لو عاد أحدهم من الموت؟!

المهم أن يعود قبل فوات الأوان.

سؤال مرعب

ماذا لو أعطيت مقصاً لقطع حدث من عمرك؟! (إحكي الحدث)

هذا سؤل مرعب جدًا. ولا يُكتب إلا على إيقاع انهمار الدموع، ولو تمكنت من الإجابة عليه فسأتفوق على جان جاك روسو في اعترافاته، الذي لجأ إلى المونتاج لئلا يتحدث عن ذلك الجزء المقتطع من حياته. ولا أظنني أمتلك جرأة الحديث عما تمنيت لو أنني لم أتجرأ على فعله.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com