في مثل هذا اليوم.. الملا “بن سالم” سلّم روحه على منبره

سيهات: معصومة المقرقش

وصفه بعض عارفيه بأنه كان يحمل صوتاً شجياً يشحنه تأثيراً في نفوس مُستمعيه. وكان لهيئته مهابة يحسب الناس حسابها، وبمجرد أن تخطو خطواته الأولى نحو المنبر ببزته وعقاله المُقصَّب المزين بخيوط صوف، يستشعر الحضور ما سوف يفعله “الملا علي بن سالم”، فيهم شجىً وشجناً.

قضى جلّ عمره خطيباً ومعلماً يتجول من مجلسٍ إلى آخر ناعياً ومادحاً. وفي مثل هذا اليوم من شهر محرم سنة 1380هـ، ودّع الدنيا وهو على منبره.

إنه الملا علي بن محمد بن سالم الدرازي السيهاتي، المُكنى بأبي أحمد، أستاذ خطابة وخطباء، ومعلم ارتقى المنبر منذ سنيّ شبابه الأول “صانعاً” صغيراً، حتى شب خطيباً يطلبه القاصي والداني.

سيهاتي المولد

ولد “بن سالم” في مدينة سيهات بمحافظة القطيف عام ١٣١٣هـ، من أصول بحرانية، وبالتحديد من قرية الدراز بعد هجرة أجداده منها إلى سيهات. وتعلم القرآن الكريم والخط على يد بعض أساتذة المدينة في سنٍ مبكر جداً حتى أتقن التلاوة والتجويد في مدة يسيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات.

بلوغ مبكر

عبد الفتاح العيد، أحد موثّقي تراث سيهات، وينقل عن والده الذي كان معاصراً للملا سنين طويلة ما مفاده أن الملا بعدما بلغ الحلُم من عمره أراد أن يتعلم أصول الخطابة؛ فحقق والداه رغبته وسلمه للخطيب السيد حسين بن السيد إبراهيم وهو في سن الخامسة عشر من عمره، وبدأ معه “صانعاً” إلى أن كبر واشتهر في القطيف خطيباً مميزاً بصوته الشجي.

حسينية الملا علي بحي الحالة

حسينية الملا علي في الحي المعروف بـ “الحالة”

تدريس الخطابة

الملا الذي تربع على عرش المنبر سنوات طوالاً لِما امتاز به من رقة في رثاء آل البيت – عليهم السلام-  اتخذ له مجلساً خاصاً لتدريس الخطابة أيضاً، وأطوار العزاء، وبحور الشعر واللغة العربية، ففي فصل الشتاء كان يجالس تلامذته داخل حسينيته، وفي الصيف كان يعقد دروسه على سطحها.

لا مال زائد

وعُرف عن بن سالم أنه لم يكن يفاصل يوماً مع أحد في أجرةٍ ما، ولم يشترط مالاً معيناً ليصعد المنبر، ويقرأ شيئاً في سيرة النبي وأهل بيته؛ بل كان في كثيرٍ من الأحيان يرد الأجرة الزائدة إلى صاحب المجلس.

وفي زمنه؛ لم تكن السيارات على وفرة، فكان يُشاهد على ظهر دابته ذاهباً وغادياً، حتى آخر أيامه، رغم توفر بعض أنواع السيارات في زمنٍ لاحق.

الملا أحمد الخميس

تلميذه الملا أحمد الخميس، عافاه الله

تلامذة الملا

كان مجلس الملا الخاص عبارة عن غرفة في منزل خالته ووالدة زوجته (منزل آل عيد المقابل لحسينية خليفة زين الدين حاليًا)، حتى أن العديد من خطباء المنبر؛ كالملا عبد المحسن النصر، والملا أحمد خميس، والشيخ عبد المجيد أبو المكارم، والملا محسن معلم، والملا أحمد سليس، والشيخ عبد الكريم الحمود تتلمذوا على يديه، ولكن يظل الشيخ عبد المجيد أبو المكارم، والشيخ عبد الكريم الحمود أكثر تلامذة بن سالم الذين أبهروا عقله لما امتازا به من قوة الحفظ.

الشيخ عبدالمجيد أبو المكارم، رحمه الله

واسع الإدراك

جمال الحمود وصف الملا بن سالم نقلاً عن والده الشيخ عبد الكريم الحمود بأنه صاحب إدراك واسع وكثير الحفظ، وأضاف أن والده -رحمه الله تعالى- كان فعلاً التلميذ المقرب إلى بن سالم بحسب ما سمعه منه شخصياً، فقد تتلمذ على يديه في سنٍ مبكرٍ جداً تراوح ما بين 14 أو 15 عاماً.

الشيخ عبد الكريم آل حمود رحمه الله
الشيخ عبد الكريم آل حمود رحمه الله

خطيب بارع

ويقول عبد الفتاح العيد وفقاً لِما سمعه من والده بأن الملا كان خطيباً بارعاً ولد وعاش ودفن في مسقط راسه مدينة سيهات، وعدُّ من أساتذة الخطباء في القطيف، ومن أشهر من ارتقى المنبر في ذلك الزمان.

صانع الدمعة

كان الملا بن سالم ـ بحسب ما يرويه العيد ـ ذا قدرة في استدرار الدمعة من عيون مستمعيه، سواءً كان ذلك بكلمةٍ أو إيماءة، وربما اكتفى بالجلوس على المنبر دون أن ينطق بكلمةٍ لتفصح قسمات وجهه الحزين عن حجم مصيبة المرثي عنه فيضج الحضور بالبكاء فوراً.

الملا بن سالم كما يبدو بعقاله المقصب

الملا بن سالم بعقاله المقصب

الملا الشاعر

قدّم بن سالم للمنبر الكثير من القصائد وأدّاها على أطوار زمانه، ويبدو أنه لم يكن خطيباً فقط ينقل شعر الرثاء عمن سبقوه؛ بل كان شاعراً يرثى آل البيت رثاء العاشق حتى ظهرت قصائده مليئة بمشاعر لامست عواطف مستمعيه، وهيجت أشجانهم كلما ارتقى منبراً، إلى حدّ أنهم يلاحقون مجالسه في سيهات، وفي بعض السنوات قد يصل عدد مجالسه إلى 15 مجلساً في اليوم الواحد من أيام عاشوراء.

الملا عبدالمحسن النصر، رحمه الله

ديوان واحد

جُمع شعره ونظمه في ديوان حمل عنوان “الذخر النافع في رثاء أهل بيت النبي الشافع”، باللهجة الشعبية، وقد طبع أولاً بجهود تلميذه الملا عبدالمحسن النصر بـ (مطبعة الغري الحديثة) في مدينة النجف، وسُجّل في المكتبة الوطنية ببغداد برقم ٥٥٩ لعام ١٩٧٤م.

وقدم للديوان الخطيب الدكتور الشيخ جمعة سلمان الحاوي -الأستاذ بكلية الفقه بالنجف الأشرف- وأعادت (مؤسسة طيبة لإحياء التراث) بمدينة قم طباعة الديوان ونشره بعد تحقيقه عام ١٤٣٠هـ.

كما أن له ديواناً آخر باللغة الفصحى.

ومن شعره الفصيح في الوعظ:

دع عنك مجلس من في اللهو قد لعبوا

 واحضر مجالس من للعلم قد طلبوا

فمجلس العلم فيه كل مكرمة

 ومجلس اللـــهو فيــه الإثــم يكـتسب

محب للأطفال

وعلى الرغم من قسمات وجه الملا بن سالم الحادة التي يهابها الكبار، كان عطوفًا مع الصغار، ولم يمنعه وضعه الاجتماعي من ملاعبة الأطفال وسؤالهم عن أحوالهم إن صادفهم في الطرقات والأزقة حتى أنهم يتسابقون للسلام عليه إن مرَّ بحيّهم أو لمحوه قادماً ببزته المميزة.

رعاية 40 رحماً

وبحسب العيد نقلاً عن من عاصره فقد كان الملا يتحسس آلام الآخرين ويقضي حاجياتهم، وكفل أربعين شخصاً من أرحامه.

ومجلسه الرئيس في حسينية العمدة عبدالله بن حسين النصر في الديرة، أو في حسينيته بحي الحالة حسينية المعروفة بـ “حسينية ملا علي”، وهي تقع خلف بنك الرياض.

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

منبر الوداع

في الثاني من شهر محرم الحرام من سنة ١٣٨٠هـ وبينما الملا بن سالم وكعادته يرثي الإمام الحسين، عليه السلام، على منبر حسينيته التي أسسها مقتطعاً لها جزءاً من منزله؛ ودع الدنيا مغمض عينيه للأبد؛ ليضج المجلس بالبكاء والنحيب عليه.

وفي جنازته شيعته شخصيات دينية واجتماعية حضرت من شتى محافظة القطيف، كما شيعه الفقراء الذين كانوا تحت كنفه ورعايته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×