[القديح تتذكر] الشهادات الأولى من داخل الخيمة بدأت النار عند "كوشة" العروس.. وانتشرت في كل الخيمة بلمحة بصر

صُبرة: خاص

لم يكن عرس فاطمة أبو الرحي العرس الوحيد في القديح ليلة الكارثة. فهناك ثلاث عرائس شاركنها ليالي الجلوات، وكان من المفترض أن يشاركنها، أيضاً، ليلة الزفاف. ولهذا السبب توزعت نساء البلدة بين أربعة مواقع، أحدها موقع الخيمة المنكوبة.

كان من المرتب له أن تُزف فاطمة أبو الرحي ذات الـ 21 ربيعاً إلى الشاب حسن كاظم المطرود في الليلة التالية. وتُزف معها صفاء محمد السعيدي إلى ابن خالها فاضل حسن السعيدي، وهو أيضاً خال العريس.

من اليمن فاضل السعيدي وحسن المطرود (زوج العروس المتوفاة) يُدليان بشهادتهما لحسين العوامي

بدأ مساء الأربعاء حاراً رطباً إلى حد ما. ولوحظت حركة الناس في طرق البلدة وأزقتها منذ مغيب الشمس الصيفية. وبعد العشاء أخذت حركة الطرق والأزقة لون العبي والأردية المتجهة إلى مواقع العرس. وتقاطرت كثير من النساء والأطفال على خيمة فاطمة التي لم ينتهِ عمل الكوافيرة منها إلا بعد قرابة الساعتين من حضور الناس.

لذلك بدأت النساء عملهن المعتاد وإطلاق الأهازيج والأناشيد المعروفة في ليالي الجلوات البهيجة، وتسلمت السيدة رباب العبيدي زمام المبادرة بوصفها (الملاية) المكلفة بالجلوات. وامتلأ الحي الشمالي الغربي من القديح بأصوات الصلوات والأناشيد الدينية في أرض جرداء تتاخم المنازل التي يقطنها عدد من عائلات (أبو الرحي) على امتداد ذلك الحد من البلدة.

المقيسم

الموقع كان بستاناً يسمونه (المقيسم) تعود ملكيته لآل نصر الله، من مدينة القطيف. وقد أهمل حتى تحول الجزء المحاذي للمنازل أرضاً جرداء تقريباً. نُصبت الخيمة البالغة مساحتها 240 متراً مربعاً قبالة الطريق الضيق، وقد استُغل الطريق نفسه وسُدَّ برواق، حتى لا تتضايق النساء أثناء دخولهن وخروجهن من الخيمة، وحتى لا يتكرر مرور السيارات والناس في هذا المكان الذي خصص للعرس مؤقتاً.

ولأنه حفل عرس خاص بالنساء؛ فقد خلا من الرجال، واكتفى أهل العروس ببقاء والدها علوي ناصر أبو الرحي وابنه أمين قريباً من الخيمة بغرض الحماية التي لا ضرورة لها في الحالات الاعتيادية.

سار كل شيء على ما يرام.

جاءت العروس

ثم جاءت العروس، واشتدّ الحفل بهجة، وارتفعت الأصوات من داخل الخيمة أكثر، وراح دخان البخور يتطاير في الخيمة، وماء الورد يتصبب في أكف الحاضرات، والأهازيج التي تلهج بالصلاة على محمد وآله تتردد على شفاه النساء والفتيات والأطفال. وفاطمة أبو الرحي تتكيء على كوشتها.. إنها ليلة “جلوتها” البهيجة.

كانت والدة العروس واحدة من المتحركات في الخيمة وحولها ومنها وإليها، وتحركها هذا جعلها خارج قائمة الضحايا، فقد خرجت من الخيمة ذاهبة إلى البيت لإحضار بعض اللوازم ونشب الحريق..!

نشب الحريق، وفي دقائق معدودة تحول العرس إلى كارثة.

من داخل الخيمة

النساء من داخل الخيمة شهدن، عياناً، لنوال اليوسف أن الكارثة بدأت من كوشة العروس، ثم التقطها سقف الخيمة، ثم انتشرت في السقف أولاً، وبعده في بقية الخيمة. والوصف الذي تقدمه مجموعة منهن يفضي إلى أن الزمن الذي استغرقه الحريق أقل من أن يقدر..!

وشهادة الرجال، العيانية أيضاً، تعزز التقدير الصعب، وتجعل من تحديد الزمن ضرباً من التخمين لا أكثر..!

مريم عبدالله كريكيش وأنوار أحمد آل عبدرب الرسول وفضيلة محسن أبو الرحي، ونعيم الشيخ عبدالمجيد أبو المكارم، وزكية علوي هاشم أبو الرحي، ودعاء ماجد أبو الرحي، وزهرة علي علوي أبو الرحي.. كلهن كن داخل الخيمة، وشاهدن كل شيء وخرجن هاربات بأرواحهن. بعضهن أصيبت وبعضهن سلمت. وقد قدمن شهاداتهن كما رأين لا كما سمعن..!

من الكوشة

مريم عبدالله كريكيش (65 عاماً) زوجة عبدالوهاب العكراوي..خالة العروس.. وقد أصيبت بحروق في يديها وبطنها.. وهي تقول إنها شاهدت الحريق منذ شرارته الأولى..

تقول:

كانت الكوشة مزينة بمصابيح وقفف خليجية وفناجين القهوة العربية.. وحين وصلت العروس استقبلتها الملاية رباب السعيدي بالجلوة.. أنا وزوجة أخي كنا على جانبي الكوشة.. جلست العروس على كوشتها.. اقتربت منها لأبارك لها وأقبلها، ولم أرفع رأسي وإلا وضوء خلف الكوشة وبسرعة اشتعلت الكوشة.. بسبب دهشتي سحبت (المشامر) من جانب الكوشة وهرولت إلى الخارج، وكنت أظن أن المشامر هي يد العروس. النار اشتعلت بسرعة ثم انتشر هواء رائحته خانقة وتساقطت النساء.

أنوار آل عبدرب الرسول (32 سنة)  متزوجة ولها خمسة من الأولاد والبنات.. تقدم إفادة أكثر إيضاحاً تقول فيها:

ثلاثة أمتار تفصل بين الكوشة والباب.. وكنت أقرب إلى الباب وشقيقتي عن يساري.. وحين شب الحريق وانتشرت النار بسرعة تدافعت النسوة طلباً للخروج، وبعد توالي صوت الفرقعات من مصابيح النور انقطع التيار الكهربائي، ثم انتشرت رائحة خانقة ودخان أسود، ولم تعد إحدانا ترى الأخرى. النار اشتعلت بسرعة وصوتها يشبه صوت المكنسة الكهربائية، ووجدت نفسي في الزحام أحاول الخروج من الخيمة، وبعد جهد جهيد نحجت في الخروج ولكن بلا ستار، عندها رحت أصرخ: (استروا عليّ يرحمكم الله)، فجاءتني امرأة وشاركتني ستارها، مع أنني كنت أسمعها تصرخ قبل أن تسترني: (وا والداه.. وا والداه).

وبذلك الستار المشترك دخلنا بيتاً، ورحت أسترد أنفاسي فيه، ثم امتلأ مكان الخيمة بالرجال. كانت النساء يخرجن عاريات وبعضهن يركضن وهن محترقات، والأطفال تساقطوا تحت الأقدام.

شرارة

فضيلة محسن أبو الرحي، زوجة باقر علوي أبوالرحي، تؤكد أنها شاهدت بداية الحريق. فمنزل أهلها يلاصق منزل أهل العروس ويقع قبالة الخيمة مباشرة. وهي شقيقة ماجد أبو الرحي، عمرها 30 سنة، وأم لأربعة أطفال..

تقول فضيلة:

“كنت في البداية جالسة في مؤخرة الخيمة، وبعد مجيء العروس، جلست يسار الكوشة، وبحكم الموقع الجديد لاحظت والنساء القريبات من الكوشة بداية النار.. كانت البداية شرارة تشبه خيط (الزري) وسط الكوشة، وكان وسط الكوشة مكوناً من قطعة خيش (تراثية)، وسرعان ما التقطت قطعة الخيش الشرارة وأرسلتها إلى سقف الخيمة. المسافة قصيرة جداً بين سقف الخيمة وأعلى الكوشة. ورغم المفاجأة لم نتوقع أن تكون الشرارة بداية فاجعة، غير أن ما حدث كان أكثر من كل توقع”.

“سقف الخيمة اشتعل بسرعة، الخيمة أخدت تهتز، صوت تفجر مصابيح النور توالى، ووسط دهشة المفاجأة اتجهت إلى الباب جارة معي بعض الصغار إلى الخارج. تصارخت بعض النساء (حريق.. حريق)، بعض الجالسات هرعن إلى الباب، البعض الآخر تثاقلن في الفرار، أو أعاقهن الزحام، ومن حسن حظي أنني وصلت إلى الخارج مبكرة جداً، قبل أن يسد الزحام الباب، وتلتهب الخيمة بسرعة.

بعد نجاتي شاهدت الخارجات من الخيمة، كان الفزع سيد المكان، وزحام الباب والوجوه التي تخرج يكفيان لأن أعيش حالة تشبه غياب الوعي. بعض النساء محترقات، وبعضهن في ثيابها شيء من النار، وبعضهن يركضن نحو الزقاق الضيق المقابل للخيمة، وبعضهن دخلن منزلنا. ولأنني دخلت منزلنا فقد تدفقت عليه نساء كثيرات، أكثرهن طلبن الماء، سقيتهن مما في الثلاجات حتى نفد كله تقريباً، بعضهن طلبن الماء لقريباتهن اللاتي ما زلن في الخيمة.

دخلت منزلنا امرأتان بلا ستار.. طلبتا مني شيئاً يسترهما.. امرأة ثالثة فيها حروق شديدة طلبت استخدام الهاتف، واتصلت ثم أغمي عليها..”

طفل مفقود

نعيم الشيخ عبدالمجيد أبو المكارم، زوجة طاهر محسن أبو الرحي، طالبة في السنة الرابعة بقسم الفيزياء بكلية العلوم بالدمام. كانت نعيم داخل الخيمة، وقد نجت وفقدت في الوقت عينه طفلها الوحيد علي (عمره سنة و26 يوماً). ونعيم شاهدت الشرارة الأولى في خيش الكوشة، وسمعت فحيح النار وهي تأكل الخيمة ومن فيها، وأخرت خروجها لأن الزحام والصراخ كان فيه وجه طفلها الوحيد..

تقول نعيم:

“كان طفلي على كتفي، لكنني أعطيته خالتي (حماتي) علوية جعفر الشاخوري (إحدى المصابات) بعد مجيء العروس من الكوافيرة، وحين بدأ الحريق رحت أصرخ في النساء ليخرجن من الخيمة.

رحن يتدافعن نحو الباب في سباق مع النار، وفي الأثناء وجدت خالتي فسألتها عن طفلي؛ فأخبرتني أنه سقط منها وسط المعمعة، فرفضت الخروج ورحت أبحث عنه. النساء يتساقطن على الأرض من شدة الزحام، وأنا أبحث عن طفلي. وبدون أن أشعر وجدت نفسي خارج النار دون أي إصابة”.

“خرجت من الخيمة، وشاهدت بأم عيني السقف يهوي على النساء والأطفال، وسط الصراخ والعويل، تأكدت أن طفلي تحت السقف وتحت النار، وقفت مشدودة الأعصاب منهكة بدهشة ما يجري أمام عيني، ووجدت في مشهد إضافي رعب الكارثة، فقد رأيت أحد الرجال المسعفين يضرب برأسه عرض الحائط باكياً.. كان كل شيء فاجعاً..”.

“لم أجد (علي) ليلتها، وعندما زرنا خالتي في المستشفى وسألتها عنه أخبرتني بأن امرأة رفعته من الأرض بعدما سقط منها ولم تعرف عنه شيئاً، وبعد ظهور التفاصيل عرفنا أنه توفي متأثراً بنزيف داخلي بسبب ضربة أصيب بها في رأسه” أثناء تدافع النساء.

سقوط الخيمة

زهرة علي علوي أبو الرحي (18 سنة) ابنة لولوة عبدالكريم سلمان انصيف (المتوفاة) لها شهادة مهمة، تقول فيها:

أنا ووالدتي وخالتي زهرة وأخواتي: زكية وفاطمة وبتول كنا في الخيمة. كنت جالسة على بعد ثلاثة أمتار من أمام الكوشة، كان في حجري طفل عمره سبعة أشهر؛ هو خضر عباس جعفر العلوي الذي أخذته من أمه منذ حضوري إلى الخيمة. وأول ما شاهدت من الحريق كان ناراً خلف الكوشة، واضطرب الوضع في الخيمة بسرعة، ومثلي مثل غيري سارعت نحو الباب، ضممت الصغير حتى لا يتأذى من الزحام، كانت الخيمة تهتز بقوة، وبأعجوبة تمكنت من الخروج، وأول شيء حدث بعد خروجي هو سقوط عمود الخيمة.

بعد خروجي اتجهت رأساً إلى البيت. كان في البيت كل من معنا في الخيمة من أخواتي، باستثناء شقيقتي بتول وأمي. بعدها جاءت بتول، ثم رافقتها وخالتي زهرة إلى مستشفى القطيف المركزي.

فيما بعد سمعت من حورية أبو الرحي (شقيقة العروس) أن أمي خرجت مع بتول لكنها لم تصدق أن الطفلة التي معها هي ابنتها، فتركتها ملفوفة في (مشمر) وعادت إلى الخيمة.

أين الرجال؟

زكية علوي هاشم أبو الرحي، زوجة ماجد محسن أبو الرحي، كانت في موقع خارج الخيمة، وتحديداً في الرواق لتتولى أعمال مباشرة المدعوات وتوزيع العصيرات وما شابه، باعتبارها من أهل العروس.

تقول زكيه:

“خرجت بنت من الخيمة وأبلغتني، صارخة، بالحريق. فوقفت ورأيت النار خلف الخيمة، فاندفعت غرباً باحثة عن رجال ينجدوننا، فوجدت شابين فزعا إلى الخيمة وراحا بمحاولات يائسة يستخدمان التراب في مواجهة النار، والنساء يتفاررن.

شاهدت واحدة اسمها فاطمة السيهاتي، من العوامية، علقت رقبتها بحبل الخيمة فارتدَّتْ إلى الخلف وعلقت عباءتها، لكنها تخلصت من الحبل ولجأت إلى أحد البيوت وارتدت عباءة وعادت لتنقذ بناتها لكن بعد فوات الأوان..”

“هـذه المرأة توفيت ابتنها عقيلة أسعد العلويات، وأصيبت لها ابنة أخرى”.

إحدى الطفلات المصابات تخضع لغيار طبي في مستوصف الجمعية بعد أيام من إصابتها

 

للعودة إلى أول الملف الوثائقي اضغط:

القديح تتذكر

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com