لا تحمل قلمًا ولا تسأل عن قلم

أثير السادة*

 

إذا كنت لا تحمل قلما في جيبك أو في سيارتك أو في مكان جلوسك المعتاد في البيت فاعلم بأنك لست الوحيد، لا تخدعنك الصحف والمجلات وهي تذيل مقالات كتابها بالقول “بقلم فلان” فالقلم المزعوم بات مجرد مجاز حيث صرير لوحة المفاتيح يكمل نصوصنا اليومية، حتى أمي التي مازالت تكتب طلبات البيت باليد تمضي وقتاً في البحث عن قلم به طاقة للكتابة على القصاصات الصغيرة.

الحبر الذي كان يصبغ أصابعنا وملابسنا أحيانا غاب عن منادمة أصابعنا التي كانت ترى في فعل الكتابة حدثا جماليا وثقافيا في آن، فالذي يكتب بالأمس كمن يختبر قدراته في الخط ويختبر اتقانه لأبجدية الكلام، يشعر بأنه عازف على سطر لا يخذله في استقامته، وانطلاقته التي تحرضك على اتمام جملة مازالت تختمر أفكارها في الرأس، لذلك الكتابة باليد أكثر غنى لهذا الاعتبار، فهي تجمع بين التزيين والتبيين، كما تجمع كل وصايا الخط والإملاء التي تركتنا رهائن للخوف من أخطائنا بالأمس.

غاب القلم وغابت دروس الخط والإملاء من حصص المدارس والحياة، أبصر جيل مابعد الانترنت الحياة وهم يعرفون بأن الكتابة في أصلها ضرب على المفاتيح، وأن برامج مايكروسوفت كفيلة بتصويب أخطائنا، وتزيين خطوطنا المفتوحة على خيارات بلا حد، من لحظة التهجي الأولى يقفزون مباشرة إلى أفعال الكتابة التي يقتربون منها بكثير من الاستسهال..لا صرير قلم، ولا معركة مستحقة مع دروس الخط، ولا أوراق نذهب إليها في انسكاب الأفكار.

أجرب العودة بين حين وآخر إلى الكتابة باليد، عبر ابتكار ذرائع لكتابة رسائل للأصدقاء، لست مدفوعا ببواعث الحنين والعودة إلى زمن الطيبين، وإنما أبحث عن لياقة تغيب وتحضر كلما انصرفنا عن الكتابة على الورق، لياقة تذهب بنا إلى صياغة أفكارنا بانسيابية وبحذر، حيث الشطب هو الطريق الوحيد للاستدراك، لياقة تهبنا التفكير والكتابة بأكثر تركيز، وأكثر حضور ذهني، فمن لا يجد الطريق للكتابة باليد متاحا له دائماً سيشعر بالرهبة وهو يجرب الوقوف ثانية في أول السطر!.

لنواصل العزف على لوح المفاتيح كما أصنع الآن، لكن لنهب أصابعنا طبيعتها الإنسانية بين حين وآخر، وهي تكتب على غرار أفعال النقش، تتحسس أبعاد الحرف وزواياه، وتؤمن للجملة مفرداتها اللازمة، وتتذكر يوميات القلم الباركر الذي نادم أحلامنا ونحن نبحث عن ما يجمل أحوال خطوطنا، ويصقل فينا الرغبة على تكرار المحاولة!.

وبس

_______

*من صفحته على الفيسبوك.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com