شكلْها تحبْني.. بس مستحيّة…!

حبيب محمود

في نهاية الألفية الماضية؛ كان وضع “وردة” لامرأة في شاشة حوار إليكتروني مباشر يعني ـ بالضروة ـ تحرّشاً غير قابل لغير هذا من التأويل. برامج “الشات” الأولى التي عرفناها؛ كانت غنية بالرموز أيضاً، إلا أن استعمالها محفوف بالريبة والتحفُّظ. المرحوم “مسنجر” ابن “هوتميل ـ دام ظله ـ كان أشهر البرامج التي أدمنها المتحاورون الإلكترونيون طيلة العقد الأول من الألفية الثالثة التي نحن فيها.

وعلى هذا؛ كانت حوارات المختلفين ـ جنسياً ـ محروسة بمحاذير حسّاسة. ما زال المجتمع ـ وقتها ـ داخلاً في تجريبٍ اجتماعيٍّ لم يكن معقولاً قبل ذلك العقد. لا ورد، ولا ابتسامات، ولا وجوه تعبيرية يمكن استخدامها بين ذكر وأنثى إلا حين “تطيح الميانة”. أما اعتياد استخدامها؛ فأمرٌ مُفسَّر تلقائياً، وأدنى نتائجه الـ “بلوك” من الطرف الناعم تجاه الطرف الخشن. في ذلك العقد؛ انتشر بين السعوديين مصطلحان ظريفان: السحالي والتماسيح، في إشارة إلى النساء والرجال الذين باتوا يتواصلون إليكترونياً..!

(2)

حين عملتُ في مجلة “القافلة”؛ وردتنا مادة ظريفة ومهمّة، تضع تعليمات عامة لاستخدام البريد الإليكتروني. كانت التعليمات أشبه بلائحة سلوك إليكتروني. نشرناها في أقرب عدد، لأنها ذات حرص على أخلاقيات التواصل الجديد…

لا ترد على بريد إليكتروني وأنت غاضب.. بل أجّل الردّ إلى حين تهدأ.. لا تُعد إرسال ما هبّ ودبّ من رسائل.. وعلى هذا الوزن من آداب.

بعد النشر؛ وردتنا مادة أشدُّ ظرفاً، عنوانها “آداب المسنجر”. وقد بالغ صاحب المقالة، فجعل منها وعظاً سطحياً، أشار فيه إلى الحذر من إرسال “وردة” إلى امرأة إذا كنت رجلاً، أو إلى رجل إذا كنتِ امرأة. وقد صرفنا النظر عن نشر المادة.

لكن تحوّلات المفاهيم أسرع من تسارع تغيّرات البرامج والتطبيقات. وما كان مُحرجاً في بداية الألفية؛ بات اعتيادياً جداً في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم..

ورد، غمزات، هدايا، رسوم، من كل نوع يتبادلها الرجال والنساء، وغالبية الظنون لا تخرج عن تفسير الملاطفة.. هذه الملاطفة؛ كانت “تحرشاً” قبل ظهور نظامي الجرائم المعلوماتية والتحرش. في بداية الألفية؛ كان وضع وردة في “المسنجر” نوعاً من الغزل.. الآن لا يعني أي شيء..!

(3)

لم تتغير التقنية فحسب، ولا الوسائط وحدها.. بل المفاهيم برمّتها تغيّرت وتبدّلت، ولم تعد لغة التواصل تدل على ما تدلّ عليه فعلاً.. إنها أيقونات وأشكال خالية.. وخاوية.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com