أهِلْ بَحَرْ، أهِلْ سِيفْ ويش لي بالبحَرْ واْهْوالَهْ، ورزگ اللهْ على السِّيفْ..!

حبيب محمود

ولم يكن لهذا المثل السائر ـ خليجياً ـ أن ينتشر اعتباطاً، أو تسليماً لمعنى السهولة مقابل الصعوبة. إنّه فارزٌ صارمٍ بين نوعين من السكّان. نوع “أهل البحر” ونوع “أهل السِّيف”. بين المجازفين بأرواحهم، وبين المكتفين بما يلفظه المدّ. بين الباحثين عن اللؤلؤ الطامحين إلى الغنى، وبين صيّادي قوت يومهم من السمك..!

ولذلك؛ فإن الرّيفيين تعوّدوا صيد السِّيف. ونادراً ما يخرج منهم “غاصة”. حتى صيدهم يكاد لا يغادر شبكة الصيد اليدوية “السالية”، أو “الجاروف”. على العكس من أبناء البحر الذين احترفوا طرائق أكثر وفرة، فضلاً عن الروح الجماعية المستعدة لخوض غمار البحر والإبحار إلى “الهيرات” البعيدة”.

والوصول إلى “هيرات اللُّوْلُوْ”؛ مرتجٌّ بالأهوال، مخضوض بالخوف والتعب وارتجال المواجهة.
الفارز الصارم يقرّرُ رزقين: رزقاً يُتناوَل من الساحل سهلاً، وآخرَ يُخاض له الغمار.
ثمّ إن العمل في البحر؛ لا ينسجم وسلوك المتعبّدين المتحرّزين. والريفيون المتحفّظون بطبعهم غالباً؛ لديهم تردّدٌ في مخالطة المتساهلين، وأصحاب الطرب، والطبل والدفّ، وسائر ما يتسلّى به البحارة في أوقات الملل الطويلة.
وحدّثني صديقي، الحاج رضوان، أن عمّه الذي ربّاه لم يدخل البحر لأنه “مطوع”، لا يفوّت صلاة الجماعة مع السيد ماجد العوامي (توفي سنة 1367 هـ). وبدَهيٌّ ألّا يقبل حريص على صلاة الجماعة برفقة سُمّارٍ يقرعون الطبول ويجرُّون الصوت على “الفجري”، أو يتلذّذون بالـ “يامال” و “البوذيات” الطروبة، في ليالي السأم..!
وربما يفسّر ذلك تباين مستويات التحفظ، في حواضر القطيف. أبناء الريف أشدُّ انغلاقاً على مباهج الحياة، وأحرص على الخضوع لقوانينهم وطاعة شيوخهم. في حين يفعل البحر فعله في المقدمين على مغامراته. إنهم منفتحون، طروبون، ويكادون يكونون متحررين، بل هم متحررون إلى حدّ بعيدٍ، قياساً بالريفيين.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com