شطرنج السيد أردوغان

حبيب محمود

في أعقاب 11 سبتمبر؛ لم يُفسحِ القطريون المجال لقناتهم وحدها لتتولّى “الانقضاض الإعلامي” على السعوديين، بل زاحمها أمير قطر، الشيخ حمد شخصياً، وتولى مهمّة “انقضاض سياسي” مباشر وخاطف، بتصريحات صادمة للإعلام الأمريكي.

ربما يتذكر بعضكم ما تضمنته تصريحاته من معنى أن “هناك دولاً تدّعي الإسلام، وهي تعمل ضدّ الإسلام”. كان التصريح تعريضاً لا يحتاج إلى هامش يشرحُه. والمقصود منه هو المملكة العربية السعودية مباشرة.

والرابط “العجيب” هو وجود سعوديين بين راكبي الطائرتين اللتين دمّرتا برجي التجارة. والنُّهزة التاريخية؛ هي لحظة الغليان الأمريكي ضدّ المسلمين وتداعيات الحدث المُربك، عند الساسة والإعلاميين.  

كان الأمير القطري؛ يلعب الشطرنج بأقوى عناصر اللعبة، الملك. ولكن الذين يعرفون لعبة الشطرنج؛ يفهمون أن تحرك “ملك الشطرنج” محدود، ولا يتعدّى خطوة واحدة. لذلك؛ صمت الأمير القطري بعدها، وترك مهمة التحرّك “الإعلامي” لقناته، تحت إدارة “الشيخ حمد بن جاسم” الذي جاءت تعقيدات رياح الأحداث على اتجاه مختلف؛ ونجح السعوديون، سياسياً وإعلاميّاً، في تصفية الأجواء المعتكرة بين بلادهم وبين الولايات المتحدة.

وُضعت الأمور في نصابها؛ وحُدِّدت المسؤوليات في كارثة 11 سبتمبر.

ونواجه الآن نسخةً جديدة من “الانتهازية” السياسية. “الجزيرة” القطرية جزءٌ منها، بل هي مجرد جزء صغير منها. واللاعبون الأساسيون هم عناصر اللعبة الأكثر قوة في الإدارة التركية. السيد رجب طيب أردوغان يتحرّك كل يوم خطوة في واحدٍ من المربعات المجاورة لمربعه، فيما يترك مجالاً لحصانيه ليقفزا على القنوات الدبلوماسية والقانونية. ويمنح للفيلين فرصة المرور من الزوايا الضيقة، ثم يأتي دور الجنود للتقدم النسبي.

وحيلة كل هذه الحصى “الشطرنجية” هي التسريب لصحيفة “الصباح” تارة، و لـ “شفق” تارةً أخرى، وأحياناً لـ CNN، وأحياناً لـ “الجزيرة”. ويعرف السيد أردوغان أن أعداءَ آخرين يمكن أن يكونوا أصدقاء “مؤقتين” له في الأزمة. ولذلك؛ تبذر حاشيته تسريبات مجتزأة، صورة هنا، معلومة هناك، والإعلام العالمي يتلقّف كلّ شيء. وأثناء ذلك؛ يلوّح السيد أردوغان بأنه سوف يقول “الحقيقة” يوم الثلاثاء..!

ما الحقيقة التي يمكن أن يقولها السيد أردوغان..؟
مهما يقُل أردوغان غداً، فإنه لن يخرج ـ في تفاصيله ـ عن الإطار العام الذي أعلنته المملكة. المملكة صرّحت بوقوع جريمة، وبدأت إجراءات حازمة، وحدّدت قائمة متّهمين، وأعفت مسؤولَين رفيعَي المستوى، وأنهت خدمات ثلاثة ضُبّاط برتبة لواء، وبدأت إجراءً سريعاً للتعامل مع جهاز الاستخبارات الخاص بها. وفوق ذلك؛ ما زالت تحقّقُ، من جهتها، في ملفّ القضية.

السعوديون لم يقولوا كلمتهم الأخيرة حتى الآن. وتداعيات الحدث ليست سهلة، ولا تسمح بالارتجال. ولا يمكن لدولة ـ أي دولة ـ أن تسمح بتمرير “انتهازية” المتشنّجين من أمورها. جريمة قتل الأستاذ خاشقجي بشعة، بشعة للغاية، ومُحرجة جداً، أخلاقياً وسياسياً. مع ذلك؛ لا يجوز لنا أن نجعل من الحرب النفسية الشرسة سبباً في اختلال توازننا. لا يجوز لنا أن نسمح لأحد أن يقول لنا “افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا”، من أمورنا الداخلية.

إنها حربٌ، حربٌ لا تقلُّ خطورة عن الحرب التي شارك في جبهتها بعض جيراننا في أعقاب 11 سبتمبر. حربٌ خُدع بها كثيرون، وبعضهم زجّ بأوراقه في لحظات ارتجاجها، ليقطف ـ أو يجمع ـ بعض ما يتساقط ـ أو يتدلّى ـ من ثمارها. والأوراق المربية كثيرة من حولنا الآن. الأيادي كثيرة، ولن يهمّ أيّاً منها أن يختلّ توازننا، أو نفقد أمننا، أو نتحوّل إلى ساحة احتراب.

تماسكوا، إنها حرب نفسية.. إنها سحابة، وسوف تمرّ، وتُصبح شيئاً من الماضي.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com