أزمة جمال خاشقجي وإعلامُهم.. يُشبهُ الحقَّ باطلُهْ…!

حبيب محمود

مهمٌّ أن تكون صادقاً؛ والأهم أن تكون قادراً على إثبات الصدق. على هذا درّبنا معلمونا في الصحافة. فالمسألة الحِرْفيّة ليست في “الصدق” ذاتاً، بل في القدرة على إثبات أن ما تقوله “صِدقٌ” عند من يقرؤك أو يشاهدك أو يسمعك.

قد تكون “صادقاً”  ـ ولكن ـ عاجزاً عن إثبات “الصدق”، أو ضعيفاً في إثباته. كما قد تكون “كاذباً” ـ ولكن ـ بارعاً في إظهار أن ما تقوله “صدق”..!

ومنذ أيامٍ ليست قليلة؛ ونحن أمام تدفُّقٍ “معلوماتي” هائل في تناول قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي. زخمٍ يتداعى بلا توقف ولا نهايات حاسمة. خليطٍ يزجّ بجزء من معلومات في سياق رأي/ آراء مصنوعة سلفاً، وليس مطلوباً لأيّ رأي إلا رأسٌ صغير من معلومة، تُخاط به الحياكة. ليس لنا أن نستهين بلعبةٍ على هذا النحو من الحِرْفية، فالمسالة ـ كلها ـ يُراد لها أن تؤدي وظيفة “الكذب” الذي يبدو “صدقاً”، عند من يشاهد أو يقرأ أو يسمع.

الكذب الذي يُمرّر تفاصيل من تفاصيل، بحيث تُدلي قناة ما/ صحيفة ما/ إذاعة ما بشهادةٍ آتيةٍ من رأي العين. بل وبطريقةٍ صادمةٍ في دلالاتها، ومحبوكة حبكاً في نبرة صوت المذيع، أو تصميم “فنط” العنوان، أو استدعاء صورة أرشيفية قديمة؛ تُمسك بمتابعة المتلقّي.

وليست جديدةً؛ لعبةُ الإمساك بجزء من الحقيقة ووضعها وسط أجزاء كثيرة من الكذب. إنها لعبة قديمة جداً، قِدَم اللحظة الأولى التي عرف فيها الإنسان كيف يُخبر إنساناً آخر بشي ما. ولكن صناعة الإعلام طوّرت براعاتها لتضع كل حدث ـ كبيراً أم صغيراً ـ في السياق المناسب لمالك وسيلة الإعلام.

على المستوى الشخصي؛ أهملتُ متابعة “الجزيرة” منذ قرابة 7 سنوات. لا أتابع أخبارها إلا لماماً، ولأسباب صحافية بحتة في حالات يسيرة. مساء البارحة؛ جرّبتُها.

خُبراء من كل جهة، يتحدّث كل منهم عن جزئية عابرة. ظهر المذيع وكأنه موظف “كاونتر”، في “استجواب” كل ضيف.. بالدّور..!

إنها “الحِرْفيّة” التي تضع “المشاهد” أمام حالة من التشويش المُربك، بحيث لا يصرف انتباهه عن شيء، حتى وإن كان من هوامش القضية، لا صُلبها..!

كنتُ أشاهد “الجزيرة” وبيت علي بن المقرّب العيوني حيٌّ في ذاكرتي:

أطاعت بنا إخواننا كلَّ كاشحٍ

خبيثِ الطوايا يُشبهُ الحقَّ باطلُهْ

سوف تتخطّى بلادنا الأزمة بحول الله. ولكن علينا الكثير من المراجعات لخطابنا الإعلاميّ، لتطوير إدارة محتواه في الدفاع عن وطننا بطرق أكثر حِرْفية. “الجزيرة” لم تتردّد في محاولات إثبات جريمة الذئب بـ “قميصٍ كذب”، وتكثيف عرض “القميص”، واستنطاق كثيرين ليتحدّثوا عن كمّيه وجيبه وأزراره وخيوطه وطريقة خياطته.. كلّ ذلك؛ وصاحب القميص غير موجودٍ أصلاً..!

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com