[مقال] علي آل ثاني: ابتسامة في زمن المنغصات

علي آل ثاني

الابتسامة ذلك التعبير الايجابي الجميل الذي يرتسم على ملامح الوجه، هي لغة حب وسلام تفيد كل الأوقات وكل الأزمان لكل الأعمار، ليس من لغة تفيك بقوتها توصيلاً ولا بسحرها تأثيرا،  إنها لغة التقارب والتجاذب تمنحك شعورا دافقا بالأمن والسلام والراحة والاستيعاب، هي لغة السعادة وانعكاس لطيب المعشر وجودة النفس، وإن كانت وجدت في مقابلها الابتسامة الصفراء وهي تلك الابتسامة الشاحبة الخالية من المودة، والعارية عن الصدق، تنبعث منها رآئحة النفاق الإجتماعي البغيض.

فهي لا تتساوى بأي حال مع الابتسامة الشفافة الحقيقية ولذلك بمجساتنا الانسانية العصبية تستطيع اكتشاف الأصل من المزيف، فتلتقط الترجمة بأسرع ما يكون، والابتسامة ميز الله بها الانسان عن غيره من سائر المخلوقات فلا قدرة لغير وجه الانسان صناعتها أو الاحساس بها، فالطفل يميز حب من حوله من خلال الابتسامة ويستطيع التفريق بينها وبين ملامح الغضب ووجه النكد.

والابتسامة هي دواء للنفس وشفاء للروح وسلوى للقلوب ونشراح من  الأحزان والجروح يساعد في تصحيح عمل أجهزة الجسم كلها وتثبيت فحوى الذاكرة وتنشيط العقل وتعميق الفكر والتوازن وزيادة النشاط العقلي والجسدي والاستقرار العاطفي.

فكم هي الابتسامة عظيم أثرها صحيا ونفسيا، وكم هي تملك من خاصية الانعاش الصحي لجسم وعقل ونفس الانسان، إنها دوء الصحة العامة والنفس المتوازنة الراضية الهادئة ، وما أحوجنا للابتسامة في زمننا المعاصر الممتلئ بالنكبات والمآسي وانهيار الأمن، ما أحوجنا ان نبتسم أمام السيل الجارف من ملوثات العقول وهزات الأحاسيس وانهيار القيم الذي لوث العالم وجعله لا يبدي غير الظلام وقتام الارتطام. فهل يستطيع الانسان الابتسام وسط بؤس تدفق المنغصات والمزعجات وفي ظلمة التوترات الموجعة؟

لماذا يضع الإنسان نفسه في مواطن الحزن و التذمر مستشهداً بالقدر و النصيب، إذاً فكيف لله أن يحاسبنا و لكن نحن في الحقيقة أحرار. أحرار أكثر مما نتصور و هذا هو الرعب الحقيقي في وجودنا على الأرض!

هل كان ليسمح الله بكل هذا الدمار إن لم نكن أحراراً.؟

بتسم لأن هناك رب كريم مهما كانت الكروب ، ابتسم الأن هناك عائلتي التي يجب ان احافظ على صفوها مهما كانت الظروف التي تحيط بي من احزان والم ، ابتسم الان هناك اخوان واصدقاء درب يجب ان اكون مبتسما معهم مهما كان الالم ، ابتسم لأن الدنيا زائلة واحداثها فانية ومستمرة ، ابتسم حتى يشعر القلب بقدرته على التحمل مهما كبر حجم الجرح الاليم ، بتسم ولا تسأم ليصبح الخريف ربيعا  والليل المظلم صباحا مشرقا على نفسك.

من هنا تتبدى قدرتك الداخلية الذاتية في التحكم بالنفس ونقلها من وسط البؤس  وقمة الأحزان إلى انبعاث الأمل بروح التفاؤل واستجلاب الابتسامة ولو تصنعتها بداية لأنك بالنهاية ستتغلب على ظرفك الصعب وتتعود رسم الابتسامة في أحلك المواقف وأصعبها فتبدد مشاعر السلب التي تنهك الجسم وعافيته وتجلب الامراض وتقصر في العمر.

عود نفسك أن تجلو عن قلبك كل مشاعر السلب مهما كانت قوتها قبل أن تضع رأسك على الوسادة ليلا، قد تقول الأمر صعب وربما تحس باستحالته لكن العملية سهلة للغاية بلجوئك الى اقناع نفسك ولو استمر الأمر معك أطول من العادة لكنك ستتفاجأ بالنهاية أنك نجحت مع الاستمرار بالمحاولة دون انقطاع على ألا تجعل اليأس يتسرب إليك، فالاستمرار بالمحاولة يخلع عنك مشاعر السلب ويبرمج عقلك وأجهزة جسمك على تقبل روح الابتسامة بكل سحرها وأسرها لتكون فيك لؤلؤة ناصيتك اللامعة الفتون ودرة فؤادك النابض المكنون وبلسم نفسك المتلهفة الحنون واطلالة وجهك الرائق على هذا الكون.

لا غضاضة أن تواجه الألم بالابتسامة لتمنح روحك ألطاف السلام، ولا خوف أن تصدَّ الخوف بالابتسامة لترعى وجودك في حضرة الحياة حتى الختام، ولا ذنب ترتكبه حين تبني بابتسامتك أسوارا تمانع الاختراق مقابل أن تصُدَّ تيارات المجون والاحتدام، البؤس هو اليأس من الحياة ووداعا لاشراقة روح يحضرها الابتسام، والفقر هو أن يجف بك الاحساس فيتساقط عنك شعور الحاجة للانشراح والابتسام، والخيبة هي فقدان الهيبة حين الملامح تتجمد وتصبح بلا حياة ولا فرح يستحضر الابتسامة.

 فلأي غاية يدعوك الله لأن تكون متفائلا ومتكلا عليه بعد تعقل؟ فالله يُذكرك دوما أن وهبك عقل يعقل وحس يدرك ومشاعر تتربصك بكل حالاتها ومحتالاتها فاختر أفضلها وارتديها ولا تخلعها أبدا

فللابتسامة والتبسم قوانين جذب آسر للألباب يفوق بقوته على قانون الجاذبية بكل طاقته العليا، تبدي أثرها الواضح على الرائي وعلى المبتسم على حد سواء فترطب الأمزجة وتحكم ارتياح الأرواح والأنسجة فيبدو كل شيء بانسجام يفوق انسجام انتفاخ الأودجة.

لا تستسلم لمشاعر الحزن والألم كافحها بالابتسامة  وامسح مشاعرها من داخلك وأثرها من على وجهك واستبدلها بمشاعر ايجابية تحسن من قيمة نفسك وعافيتك وملامحك، ابتسم في وجه المظالم والصدمات، ابتسم في وجه الغدر واللؤم واقهر أصحابها ولا تجعلها تؤثر عليك بأي حال، ابتسم في وجه المتآمرين والمتحذلقين كيدا ليروا جيدا ضآلة أحجامهم وأشكالهم القميئة، ابتسم بوجه المتلاعبين والغشاشين والكذابين، ابتسم في وجه المنافقين وانت تعلم حقيقة نفاقهم، ابتسم ولا تتوقف عن الابتسام في وجه عثرات الزمن ، ابتسم لتكون قويا معافيا ما دمت أنت على حق ونفسك تأنف الباطل وأهله وتحتقر بداخلك أهل السوء، ابعدهم من حولك واخرجهم من حياتك وعش بعيدا عن النفايات وعن الحثالات، فلا تشتمّ روائحهم الكريهة ولو عن بعد.

اذاً الابتسامة لها رونق وجمال وتعبيرات تضفي علي وجه صاحبها مالا يضفيه العبوس، بل إن كتابتك لكلمة ابتسامة، أو تذكرك صورة ابتسامة تجعل نفسك من الداخل تبتسم.
الابتسامة تحدث في ومضة ويبقي ذكرها دهرا وهي المفتاح الذي يفتح أقسي القلوب. وهي التي تكبت الغضب وتسرّي عن القلب. بتسم لنسعد أنفسنا و من حولنا

لنبتسم لنتغلب على تيار الضغوط اليومية التي جلبت الكثير من الأمراض والظغوط النفسية والازمات القلبية والقهرفي حايتنا العامة .

من اجل هذه الأسباب وغيرها فان الابتسامة هي نوع من أنواع العطاء والصدقة والكرم والآن عزيزي القارئ هل علمت الآن لماذا قال نبي الرحمة “صلى الله عليه وآله وسلم ” (تبسمك في وجه أخيك صدقة) الابتسامة هي السحر الحلال . وهي إعلان الإخاء، وعربون الصفاء، ورسالة الود، وخطاب المحبة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com