[88] [صور] يوم وطني في سجن المباحث حفل كامل أعدّه النزلاء ونظموه ونفّذوه احتفالاً بيوم الوطن

الدمام: حبيب محمود، علي آل رمضان، أمل سعيد

وسط الناس؛ علّق الفنان علي السبع بأنه عاجزٌ عن تمييز الموجودين معه. هناك ضباط، ورجال أمن، ومدعوون، ونزلاء سجن. لو أشار بإصبعه إلى أحد؛ فقد تكون إشارته إلى “لواء” في الإدارة، أو “عقيد” أو “رائد”. لكنّ هذه الاحتمالات مختلطة؛ فقد يكون المشار إليه ضيفاً مدعوّاً مثل السبع نفسه.. وقد يكون “نزيلاً” محكوماً قضائياً بسنوات.

قد يكون بعضنا عرف بعضنا، ففضلاً عن الفنان السبع؛ هناك المهندس عبدالشهيد السني، المسرحي محمد الحلال، الصحافي محمد التركي، فريق صُبرة، لكنّ الموجودين كانوا خليطاً. وصباح أمس؛ كان هذا الخليط متجانساً تماماً، انعدمت الفروق، تلاشت الصفات، اختفت التصنيفات.. وبقي تصنيفٌ وحيدٌ فقط التقى فيه الجميع.. “مواطن”…!

إدارة الوقت

سجن مباحث المنطقة الشرقية احتفل باليوم الوطني. إنه واحدٌ من خمسة سجون مركزية على مستوى المملكة، يقيم فيها نزلاء في قضايا لها صلة بأمن الدولة. وفي هذه السجون برامج إصلاحية متنوّعة، بينها برنامج “المناصحة”، وبرنامج “الرعاية والتأهيل” وبرنامج “إدارة الوقت”.

البرنامج الأخير لديه مهمّة حيوية؛ هي احتضان نُزلاء في بيئة إصلاحية مثالية، فيديرون شؤون أنفسهم بأنفسهم ضمن جناح خاص.

في سجن المنطقة الشرقية 33% من النزلاء محضونون في برنامج إدارة الوقت، ومن المخطط له رفع النسبة إلى 66% قبل نهاية العام الجاري. وطبقاً لما ذكرته إدارة السجن، فإن البرنامج يضع النزلاء ضمن نظام يعوّدهم الالتزام بالوقت، ويتسلّمون فيه زمام الأمور، فهم النزلاء، وهم العاملون، وهم المشرفون. وليس لإدارة السجن إلا الإشراف غير المباشر، والدعم اللوجستي.

برنامج

عمر البرنامج قرابة 3 سنوات.. وهو متنوع في نشاطاته.. لكل نزيل اهتمامه، وهوايته، وميوله. برنامج إدارة الوقت يدعمه فيما يحبّ. في أحد العنابر؛ كان أحد المصورين منهمكاً في توثيق نقاشنا مع مسؤولي السجن. كنا نظنّ أنه من العاملين في الإدارة. ثم فوجئناً بأنه أحد النزلاء.. قُبض عليه بتهمة تصوير غير مشروع، لكنه في السجن يمارس التصوير، ويطوّر مهاراته، ضمن “المركز الإعلامي” في السجن.. هذا المركز لديه تجهيزات إذاعة، وتصوير ومونتاج، ويُصدر مجلة أيضاً..!

لا تقول شيعي وسنّي

في الحفل؛ قالت إحدى الأغنيات “لا تقول شيعي وسنّي”.. مضامين الإصلاح تركّز على هذا الموضوع بوضوح. ففي “سوبرماركت” إدارة الوقت؛ يعمل نزيلان، أحدهما سنّي والآخر شيعي. وجدنا مثل ذلك في إحدى مكتبات الجناح أيضاً، وفي أكثر من غرفة في الجناح كذلك. كنا نسأل بوضوح، وتأتي الإجابة بوضوح أيضاً.

هذه المزاوجة أرادت منها إدارة السجن إزالة الحسّاسيات، وتكريس التعايش. لم يدخل أحدٌ السجن لأنه “شيعي” أو لأنه “سني”، بل لأن خطأً ما حدث، ومهمة السجن هي إصلاح هذا الخطأ في بيئة وطنية، لها هدف مباشرٌ، هو أن يحصل النزيل على المساعدة، ويُحضَّر للحياة الطبيعية بعد خروجه من السجن.. ومن المهمّ ألّا يعود النزيل إلى السجن مرة أخرى.

مواطنون مثلنا

تحت هذا المناخ حصل نزلاء سجن المباحث على احتفال باليوم الوطني. أليسوا مواطنين سعوديين مثلنا..؟ والمملكة العربية السعودية وطنهم؟ والملك ملكهم؟

هذه هي الرؤية التي تبني إدارة المباحث عليها إجراءاتها في التعامل مع النزلاء، على تنوع قضاياهم ومحكومياتهم. ونهار أمس؛ كان أكثر من 300 نزيل في سجن المنطقة الشرقية على موعد مع حفلٍ متكامل أعدّه النزلاء أنفسهم، ونظموه، ونفّذوه، من ألفه إلى يائه، ولم تتدخّل إدارة السجن إلا بالدعم والتسهيلات. كل المعدّين والمنظمين مشمولون ببرنامج “إدارة الوقت”.

بدأ الحفل بالنشيد الوطني.. وقف الجميع وراح النشيد يملأ القاعة الرياضية “سارعي للمجد والعلياء، مجّدي لخالق السماء، وارفعي الخفّاق أخضر، يحمل النور المسطر، يا موطني، عشت فخر المسلمين، عاش الملك للعلم والوطن”. وكما هي العادة المتبعة خارج السجن؛ افتتح أحد النزلاء الفعّالية بآيات من القرآن الكريم.

نشيدٌ وطني صاخبٌ، في قاعة واسعة، في عمق سجن المباحث. تبدو المفارقة مدهشة. وعريف الحفل واحدٌ من النزلاء، قال لـ “صُبرة” إنه محكومٌ في قضية معلوماتية. أدار الحفل باحتراف. حين سألناه عن وضعه في السجن، قال إنه يُدير نشاطاً ثقافياً إعلامياً ضمن زملاء في البرنامج. ويتواصل مع أسرته خارج السجن أسبوعياً.

حاكم الدار

جاء دورٌ للفرقة الشعبية. اصطفّ نزلاء متحزممون في رقصة تقليدية.. وراحوا يُنشدون:

سلمان سلمان الفخر والعز والهيبة

حاكم الدار قايدها وحاميها

حسناً؛ لسنا في السجن. نحن في حفل تنظمه جهة حكومية أو أهلية عادية تماماً. هذا ما بدا عليه الأمر لقرابة 90 دقيقة.

عُرض فيلمٌ وثائقي عن إدارة الوقت أعدّه النزلاء أيضاً. كلمة للنزلاء، قصيدتان.

أعضاء العرض المسرحي وزي المرأة تمثيل فقط

مسرح مؤثر

ثم جاء دور مسرحية صامتة.. عمل مسرحي أدائي حقيقيّ. حمل إيحاءاتٍ كثيرة دون أن ينطق أحد الممثلين بكلمة واحدة. والدان مشغولان، وأخٌ أكبر لاهٍ، وبطل المسرحية يقع فريسة.. سيجارة، فحبّة مخدّر، فإدمان، فضياعٌ، فسقوط يجرّ ندم الجميع. بعد السقوط يأتي دور الإنقاذ.. هكذا يعود الضائع إلى الحياة..

ربّما صفّق الجمهور للأداء المؤثر، لكنهم ـ بالتأكيد ـ صفّقوا ـ أكثر ـ لرسالة المسرحية العميقة، على الرغم من قصرها زمنياً.

فنان في البرنامج

الفنّ لم يتوقف عند المسرح، هناك أوبريت من 4 أغنيات وطنية أدّتها فرقة في السجن. قادها فنّان واعدٌ جداً، صوته نقيٌّ، حيٌّ، مؤثر، وفيه بحة شجىً تُشبه صوت خالد عبدالرحمن. كان الأداءٌ محضّراً سلفاً. في الخلفية “كليب” وطني، والصوت مركبٌ كله عليها. ووقف الفنان الواعد وشركاؤه في الأوبريت وقدّموا ما لديهم من أداء جميل. بعد الأوبريت؛ طُلب الفنان الواعد إلى الطاولة التي يجلس عندها مساعد مدير أمن الدولة في المنطقة الشرقية. بدا الوضع وكأنه اختبارٌ عملي لصوت الفنان الواعد.. غنّى الفنان من دون موسيقى.. فعلاً إنه فنان.. نتمنى أن نسمعه خارج السجن قريباً.

وطن

حين أوشك الحفل على نهايته؛ تسلّم الفنان علي السبع المنصّة.. كان متأثّراً جداً بما شهِد وشاهد. سرد قصة سعودي مهاجر لأكثر من 30 سنة التقاه صدفة في إحدى سفراته. كان السبع يُريد أن يقول إن صاحبه المهاجر قال له إن الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية منحته الكثير.. أغرته كثيراً.. لكنها سلبته ما هو أكثر.. سلبته وطنه.. عاد السبع إلى مقعده، وعيناه مبللتان..!

من الزيارة

  • استغرقت الزيارة أكثر من 3 ساعات، من الـ 9 صباحاً إلى ما بعد الـ 12 ظهراً.
  • تركّزت الزيارة على الاطلاع على برنامج إدارة الوقت بجميع أقسامه ونشاطاته، وحضور حفل اليوم الوطني.
  • تضمن ذلك زيارة القسم النسائي الذي تقيم فيه 10 نزيلات حالياً، بأقسامه ذات الخصوصية النسائية، بما في ذلك العيادة الخاصة، وقسم الخياطة، وغرفة الأطفال، وغرفة الترفيه، والحديقة الملحقة.
  • تضمنت الزيارة دخول عنابر وغرف نزلاء، ومناطق التشميس الخاصة بكل غرفة.
  • حصلنا على كامل الحرية في توجيه الأسئلة لإدارة السجن وللنزلاء، بما في ذلك أسئلة حول قضاياهم ومحكومياتهم.
  • لم نواجه أي تحفّظ في مخالطة النزلاء مجتمعين أو منفردين، وأجرينا العديد من النقاشات الجانبية مع النزلاء، بحرية تامة، ودون أدنى رقابة.
  • لم يحدد لنا أحد من إدارة السجن ما يجوز نشره وما لا يجوز نشره من معلومات. فقط تحفّظوا على ظهور ملامح النزلاء، التزاماً بالنظام السعودي الذي لا يُجيز التشهير بالنزلاء والمحكومين، إلا بموجب حكم قضائي يتضمن التشهير.
  • تضمنت الزيارة مستشفى السجن واقترح المسرحي محمد الحلال دعم فكرة التبرع بالأعضاء، وأبدى استعداده لدعم الفكرة معنوياً، بوصفه واحداً ممن سبق لهم التبرع بالكلى.

مستشفى السجن

الطاقة السريرية 64
العيادات 16
أطباء 22
استشاريون 15
فنيون 22
تمريض 68

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com