ليلة قاسم حداد.. الشاعر يلبّي جمهوره بصوت متعب.. وقلب كبير احتفاء نخبوي بقامة عربية.. وجمهور يُصغي إلى اللغة ويسأل عن التفاصيل

سيهات: أمل سعيد

تصوير: أحمد حبيب

إنه قاسم حداد، حتى وإن خذلته نبرة الصوت المتعب بنزلة برد في ليلة كانونية.. قاسم حداد؛ شاعراً ومتحدثاً، فصيحاً خالصاً، أو متأثراً بلهجة مسقط رأسه، جزيرة المحرق.

ويكفي الاسم والسيرة والتاريخ والمنجز الإبداعي؛ لجذب جمهور نخبة شغل مقاعد ضيوف ملتقى الفنار الأدبي، إلى حدّ أن المنظين احتاجوا إلى إضافة مقاعد لاستيعاب جمهور قارب الـ 200 مهتمّ بالشعر والأدب والإبداء، ثلثه من النساء.

هذا بعض ما حدث، مساء البارحة، في الأمسية التي حلّ الشاعر العربي قاسم حداد فيها ضيفاً على ملتقى الفنار، حين قدّم له وحاوره الشاعر محمد الماجد، وعلى امتداد ساعتين اعتنى الماجد بسجادة التقديم كما يليق بقامة أدبية عربية مثل قاسم حداد.

وما بين مقدمة الماجد التي انسكبت زلالاً في كؤوس الحضور وبين أعذب الشعر بلسان قاسم حداد الذي أسمع فأمتع، رغم ضعف صوته المتعب؛ وقع المستمعون في شرك الكلمة المتبوعة بأخرى لا تقل عن أختها في الغواية والجمال، ليستقر في بؤرة الصورة المتكونة من قول أبي الطيب:

فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ

تكسّرت النصالُ على النصالِ

وبسحر الكلمة ابتدأت الأمسية على لسان الماجد “ماذا يستطيع مقدم أمسية حتى لوكان في بلاغة سحبان وائل أن يقول عن قاسم في خمس دقائق، أنا اعتبرت أن هذه مكيدة من منظمي الحفل في البداية ولكنني اكتشفت سريعاً بأنها مكيدة جميلة أيضاً…!”.

وتتدفق كلمات الماجد عذبة ليأخذنا في لمحة مختصرة عن ضيف الأمسية منذ بداياته إلى أن وصل كرسي الضيافة ” عرفتك طفلاً، شببتُ على شعرك، وهذا في ظني يغنيني – إن سمحت لي- عن الاستعانة بكل محبرات هؤلاء الأباطرة على عظمة وخطر ما قالوه فيك، وسأنحاز إلى جوهر النص أو إلى جمهرته: فثيو أو ثيودور، وقيس، والحسين، وطرفة، وخديجة، ومحمد، والمحرق، وقاسم نفسه كانوا أقوى شكيمة عليَّ وعلى القارئ من كل هؤلاء، ولا بأس، لأفاجئك قليلاً بالقول بأن عبد الحميد المحادين، المعلّم الذي أسدى لك، ثمَّ لنا جميعاً، نصيحة أنْ لا تتعلَّم الأوزان الخليلية فأنقذ موهبتك والشعر معاً، كان ربما الأقوى من بينهم، فٌتِنُّا بهم كما لم نُفتَن من قبل، نحن الذين لم ندخل عليك من أبواب متفرقة، وكما يقول المثل الحجازي “علقنا الباب وشنقنا العتبة”، علقنا الأبوابَ كلَّها، وشنقنا العتباتِ، عدا عتبةً واحدةَ أفضت بنا إلى باب الشوق، الباب الذي قلتَ عنه بأنه “يلج بكَ موج الليل مثلَ قارب غريب، تُحسنُ العومَ فتغرق، شُغل عن السّوى، وحده لك، وردة الجمر تزدهر كلَّما هبّت الريح”..

هكذا شغل الماجد الحضور وهيأهم لاستقبال وليمتهم التي اختارها الحداد بعناية فائقة، مستخلصة من سنوات تجربته الشعرية.

استلم الحداد دفة الأمسية، ورغم السنوات التي اعتقلت بعضاً من صوته؛ إلا أنه استطاع أن يمايل الحضور طرباً بالنص تلو النص.

على وطن يخشى الفتى

 هذي بلادٌ لا أميِّزُها

دخانٌ أم يدٌ مغلولة أم فكرة تهوي؟

بلادٌ،

كانت الصحراء تمضي فاستحالت حاضراً

مستقبلاً

من أين لي ماذا أسمّي خيمة في الرمل

لا ماءٌ ولا غجرٌ

ولا يصغي إليك الغيمُ حين تقول

نمضي للأفول

فكيف لي،

كنا على وشك الحديقة، مثل حلم عابرٍ

فاستيقظ الكابوسُ

واختلط اليتامى بالثكالى

دارتْ الفتوى وحَلَّ النعشُ في عرشٍ

بلادٌ لا أميزها حياةٌ أم تموت

هي انتحارٌ صارمٌ

يا ليت لي

“هل كنتُ مقتولا ومتُّ

أم كنتُ في سفرٍ وعدتُ”

لم يعد لي،

هذه الصحراء تفقدني،

وكل تراثي المنهوب يمحوني،

وصوتي وحده في هذه الأرجاء يسمعني.

كي تكون

أطلقْ لجامك كلما مرُّوا عليكَ تنهدتْ أرجاءُ نجدٍ،

واستراحت في حجارتِها فراشات وتاهتْ نجمةٌ

أطلقْ لجامَك يَحبسُونَ مطالعَ الأنفاسِ

تلك قصيدةٌ تهذي وغيمُكَ طائشٌ وحزامُكَ المشدودُ يُرخي خوفَهم

أطلقْ تخبُّ الخيلُ دعهمْ في بُـلهنيةِ الفرار

فكلما مرّوا عليكَ، تماثلت صحراءُ نجدٍ،

واشتهتْ شَبَّتْ شكيمتُها وأغوتْ بدوَها بالشعر

أطلق يدركونكَ

كلما مروا رَمُوا نرداً وأجهشت النساءُ

ثواكل يجهرن بالفقدان

لو أن الفتى

أطلق لهنَّ يجئنَ تسعاً

يستبحنَ غبارك العبثيّ

في نجدٍ نساءٌ جارحات الروحِ

منتحرات يطلقنَ الفتى من عقله

أطلقْ عنانك

واستعدنا من نساءٍ ينتحلنَ قصيدةً سكرى، ويطلقن الحبيسَ

كأن في قلب الفتى غيماً يطيشُ

كأن قافية الجنونْ

أطلق خيالك كي تكونْ.

هل نحن موتى

هل نحن موتى؟

كنتُ في قلقٍ

فمَنْ ينهر خُطاي ينوبُ عني في الطريق إلى جحيمي

تاج كأسي ليس من ذهبٍ

ولم أنهبْ لأشرب

خمرتي حريتي في الليل

أحلامي مطهمةٌ وحربي تسعفُ القتلى

وضوءُ النجمة القصوى نديمي

كنت في قلقٍ

وأهلي أسلموني للسديم

وأشعلوا نارَ الخيام وأطفأوني

حكمتي في العدل أن أنسى وأسكرَ ملءَ رأسي

كلما احتدمتْ ضغائنهم

غفرتُ لهم

وأرخيتُ الحماقة في الحليمِ

منْ يردُّ الموتَ عني وهو يسألني

فهل أنتم غريمي .

هناك

يتذكر زنزانته ونافذته

مثل عشق ليس للنسيان

يتهدج في قفص الحرية :

يا لهنـــاك

حيث الأفق اللامتناهي يشمل رعاياه بالغيم

كأن الحرية كانت هناك

شاسعة و مشتهاة

يباهي بها الحياة

لم تكن سلطة تطاله و لا يـد عليه

رهيفاً مثل شفرة الوقت

صارماً مثل برقٍ

شاهقاً كشموخ الآلهة

يداه في حرية الخلق

يمنح أحلامه اللغة

يرأف بمخلوقاته ويصطفيها

يــــا لهنــــاك

حرياته القادرة بدأت من هنــــاك

وهنا .. يلزم البحث عن قرائن.

الغريب

يمرُّ الغريبُ على مائنا. طيراً شارداً من حريق الحروب. بعد اقتناص سربه كاملاً. يتقدمُ بخطوات الوزة بالجناح المنهك. بساقٍ مكسورةٍ وكتفٍ مخلوعة. وثلاثة مثاقيل من اليأس الناضج. يسير في طرقات القرية قتيلاً يجرُّ جثته. بذراعٍ معطوبةٍ وذراعٍ مفلوتة. وكلما هَمَّ بالاقتراب سَمِعَ صفقةَ بابٍ تطرده.

الغريبُ في البلاد الغريبة. لم يكن عدواً. لم يشترك في حربٍ. كان يحرثُ خصبَ الطين. ينتظر المطرَ فقصفته زَخَّة الضغائن. جاءَ من الجحيم. يبحث عمَّن يفهم الجراحَ ويعالج الروح. مكانٌ ينامُ فيه ويحلم.

الغريبُ في البلاد الغريبة.

حين همَّ بطرْقِ الباب التالي سمع أجراساً تنوح.

فأدرك أن الضغينة تحكم الكون.

مرارات

مررنا بهم

أسرى مثل أقفاصٍ تحرس الأجنحة

يذودون عن أرواحهم بالمرارات

تحت آباطهم مفاتيح تصدأ

وفي أحداقهم ما يشبه القناديل

ضوءٌ شاحبٌ في عاصفة

لجوعهم أنينٌ مثل جوقة الكهنة

نسمع حَـكَّ الحديد في أخماص أقدامهم

مررنا بهم

فانتابنا زفير المجامر

لهم رائحة الزبد الطائش من أشداق الخيول

مجدولو الذوائب

تتدلى على أكتافهم صناجات تطردُ ذريعة الفرار

يضعون ذاكرتهم في رماد بارد

وبين أيديهم كتبٌ تتضرع لشجاعة الصلاة.

أنهى الحداد الحصة الأولى من الشعر وأدفأ خلالها القلوب بكلماته، وابتدأ الحوار المفتوح واستأثر الماجد بالسؤال البكر..

في الحقيقة كنت في محادثة مع قاسم قبل أيام ونحن في طور الإعداد لهذه الأمسية، وكنت أراهن على إقناعه بزيادة حصتنا من الشِّعر، فنجحت بمقدار ما وهبني من سمو روحه وتواضعه الجم: اقترح إضافة قصيدتين بعد الحوار إن أحببت يا محمد، فرحت كثيراً بالرغم من أنني ما زلت على الضفة الأخرى من قناعته، لذلك سأسأله بداية: لماذا كل هذا الإصرار على الحوار يا أبا محمد؟

*في محاولة لكسر الروتين السائد منذ بدأنا، ففي الأمسيات نقرأ الشعر ثم نذهب إلى البيت، والحوار هو الجسر الوحيد بين الشاعر والقارىء

وهو اجتهاد يستحقه الشعر ويستحقه القارىء أيضا، هو اجتهاد لا ننجح فيه دائما، ونفشل فيه كثيراً

وربما أننا محرومون من الحوار في حياتنا العامة، حتى أن فكرة الحوار الفلسفي القديمة عندما ترجمها العرب، ترجموا النتائج وأهملوا كثيراً فكرة الحوار والجدل، لأن الحوار جدل مستمر يشوبه كثير من الشك، والعقلية العربية السائدة لا تقبل الشك، ونحن محرومون من الحوار لهذا السبب، وتأكيدي المستمر على الحوار ليس لإقناع الآخرين بما أظنه وأعتقده، وهي الحقيقة المتغيرة دائماً.

الماجد: في حوار لك حكمت وقلت بأن الحوار قد يكون أكثر إمتاعاً من الشعر.

*لأن الحوار بين الشاعر والقراء يلقي ضوءاً ضرورياً على ما يكتبه وما يعتقده، وأنا عندي قناعة قديمة أن النظرة السائدة بأن الكاتب أو الشاعر هو مصدر المعرفة، هي نظرة مبالغ فيها، ولا أجد فرقاً بين الشاعر والقارئ العادي سوى “نتفة” مقدرة الشاعر على التعبير فقط، لأن بعض القراء يفوقون الشعراء معرفة وثقافة وحساً، فهذا الحوار يفضح الشاعر أولاً، ويمنحه قدرة على الاستعداد في إعادة النظر المستمرة فيما يؤمن فيه وما يعتقده كحقيقة مطلقة.

الماجد: “لم نركز على المعنى الحداثي في الشعر العربي نفسه” هذه أحد أخطاءنا في مجلة شعر يقول أدونيس، في إشارة للنتاج الشعري العربي في القرن الثاني الهجري متمثلاً في أبي نواس وأبي تمام وابن الرومي، مقابل التركيز – ربما المبالغ فيه – في حداثة غربية برزت بعد ذلك بثمانية قرون متمثلة في بودلير ورامبو والآخرين، ما موقف قاسم من هذا الجدل؟

*أظن أن فيما تقول قدر لا بأس به من الحقيقة، مشكلة الحداثة، وأنا لا أزعم أني أفهم الحداثة، لأني أرى الحداثة في الحياة اليومية ونحن متخلفون كثيراً، لكن الأخطاء التي وقعت في الحداثة نشأت عن حماس كبير في جيلنا، والجيل الذي سبقه، حماس مبالغ فيه إلى درجة أننا كنا نعتقد أن من أهم شروط الحداثة هو القطيعة مع التراث، وأظن بأن هذه هي مأساة مركبة.

القطيعة مع التراث فهمها كثيرون فهما خاطئاً، لأن التراث ينشأ من اللغة العربية، واللغة هي جوهر وعمود النصوص الموروثة بغض النظر عن مصداقيتها وحقيقتها، وأظن بأن وهم القطيعة مع التراث لها تفسيرات كثيرة فيما يتعلق بوعي الحداثة والحاجة النوعية في المجتمع العربي للتطور والرؤية المنفتحة، لذلك فإن مجلة شعر وقعت في مأزق فهي بدأت تختار في الأعداد الأولى نصوصاً من الشعر القديم، ثم بدأت تلتفت إلى أن الحداثة هي في الأرض فصارت تستوعب النصوص الحديثة الجديدة لبودلير ورامبو والآخرين، لكن سرعان ما انتبهت إلى أن الحداثة لابد وأن تتمثل في المجتمع، قبل أن تتمثل في نصوص أدبية جديدة، ومهم أيضاً أن نعي المعنى الحقيقي لحداثة المجتمع، ونحن حتى الآن، برغم السباق المسعور بين الأنظمة العربية وبين المعارضات حول الديموقراطية والدساتير، والتي أجدها،في رأيي، زعبرة لا طائل ولا معنى لها، فالمعارضات أكثر تخلفاً من الأنظمة، نحن لا نستطيع أن نحول مجتمعنا إلى مجتمع مستقبلي ومازالت القبائل السياسية الحديثة التي تحكم بلادنا، في العمق، لم تؤمن بالديموقراطية رغم كل المزاعم.

منصور آل سلاط: لدي سؤالان.. الأول: ما الفرق بين الخيال والتخييل في أي نص أدبي كان؟

والثاني: في رأيي.. لا يمكننا إسقاط الحداثة بكل ما فيها على المجتمع المتخلف، فماذا لدى الشاعر؟

*أنا أوافق السائل في سؤاله الثاني، فالمجتمع العربي لا يمكنه استيعاب الحداثة،  ولابد أن يكون مستعداً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً.

أما بالنسبة للسؤال الأول فأنا لا أزعم أنني قادر على الفرز بين الخيال والتخيل، فالمخيلة هي فعل أدبي تقني، أما التخييل فهو تعبير نقدي، يستخدمه النقاد أكثر من الشعراء وأنا لا أزعم بأني أفهم في ذلك كثيراً.

جمال حمود:

من خلال ما تفضلت وألقيت من نصوص لفتني الانتقالات التي تظهر في النص، نلمس نفس معين رئيس لكن تحمل ما يشبه المعارضة في النص نفسه (نقائض داخل النص) فما قصة هذه الانتقالات؟

*تتكون رؤية الشاعر أثناء كتابة النص، فلا تكون الرؤية واضحة مسبقاً، إنما تتضح وتتفتح أثناء الكتابة، بالرغم من بنية القصيدة الفنية التي قد تبدو متناقضة ومتشظية لكن الشاعر لا يمتلك تفسيراً تقنياً لهذه الحالة، وأحياناً يفهم الشاعر النص الذي كتبه عبر القراءات الأخرى، فيكتشف المعاني والآفاق التي يذهب إليها النص بمعزل عن وعي الشاعر. وأنا أظن أن أكثر شخص قادر على تفسير القصيدة هو كاتبها، والشاعر ناجح في إفساد القصيدة التي كتبها وذلك بمحاولة تفسيرها، وأظن أنه ليس للشاعر أن يحاول تفسير النص لأنه لو كان يمتلك معاني محددة للنص لكتبه بشكل آخر، وأذكر جملة لشاعر فرنسي سُئل عن معنى قصيدته فقال “أتمنى أن تكون للقصيدة من المعاني بعدد القراء”، فكل قارئ لديه تجربة وخلفية ثقافية ووعي تفوق أحياناً الشاعر وخصوصاً أن الشاعر يكتب بالعاطفة المتأججة، وأنا أميل إلى ضرورة تفادي تشغيل الذهن عند الشاعر وقت كتابة القصيدة، لأن الذهن يتمتع بجلافة لا تليق بالشعر، والشعر تدفق عاطفي ولا واعي أكثر منه واعي، وأحاول قدر الإمكان عندما أقرأ نص للآخرين وأجد أن الشاعر كان يفكر وهو يكتب أن لا ينزع مني متعتي، لأنه وعيه يفعل ذلك، فيجب أن يكتب الشاعر بمخيلة حرة وبعيدة عن التشغيل العقلاني، ربما يعود للنص بعد فترة من كتابة القصيدة فيلجأ إلى مراجعة النص وتشذيبه وتعديله والحذف منه.

 

الشاعر عبدالوهاب الفارس:

ماذا بعد كل هذه المسيرة الطويلة المفعمة بالإنجازات وربما بالخسارات؟

*أظن بأني لم أحقق شيئاً حلمت به، ولا أؤمن بأن الشعر مطالب بأن يحقق أحلامنا، نحن معزولون عن الحياة العامة ومحرومون من المشاركة فيها، المثقفون خصوصاً والأدباء والكتاب ليسوا جزءاً من المشاريع العامة التي يجري الترويج لها وأنا من المتهمين بترويج اليأس، وأعتقد أن على الشاعر أن يتخفف من الأوهام الرائجة في حياتنا العربية، بأن الأدب والشعر عليه دور تنويري، وأظن أننا وصلنا إلى درجة الاقتناع بأن كتابة القصيدة والشعر والرواية والفن كله عمل عبثي، وأن الشاعر غير قادر على عمل شيء في الحياة، لأننا غير مسموح لنا بالمساهمة في أي شيء وبالتالي فنحن غير مسؤولين عما يحدث في العالم.

أنا شخصياً لم أعد مؤمناً بأني كائن فعّال في الحياة، وأظن أن كل المشاريع المطروحة والتي يتم الترويج لها في حياتنا مشاريع كاذبة، والقصيدة أصبحت شأن شخصي، وأنا أكتب كثيراً فقط كي أحتفظ بنفسي.

الشاعر مظاهر اللاجامي:

كيف يستطيع المبدع أن يمارس النص في طوره الفني دون الالتفات إلى الواقع؟

*رغم كل كلامي عن اليأس وضرورة اليأس وحرية اليأس؛ أظن أن الشاعر والكاتب العربي مهموم بالواقع، فهو جزء من حياته، ربما لا يُسهم في خلقه لكنه يقع على كاهله، ربما يؤمن بالعمل السياسي والحزبي، شريطة أن لا يوظف الأدب والشعر في مشروعه السياسي.

الماجد: بعير المنخل اليشكري

ناقة الطرماح

خيل امرؤ القيس

حمام درويش حتى لا أقول حمار درويش

ذئب قاسم حداد

ماذا يحب أن يقول قاسم عن هذه العلاقات إجمالاً، وعن علاقته هو بالذئب؟

هي رسالة من الشعراء القدماء الذين كتبوا عن الحيوان، وأنا شخصياً أحب الذئب وأقدس هذا الكائن لأنه كائن حزين جداً، ومخلص اجتماعياً، والإنسان في الغابة العنيفة جداً يجد في الحيوان رفيق رحيم، واكتشفت أنه لا يأكل الجيف. خلاصة القول أن الشعراء والكتاب كانوا يجدون في الحيوان أخلاقاً سامية لا يجدونها عند الإنسان.

ثم جاء دور الجرعة الثانية والأخيرة من الشعر، وكنا على موعد بقصيدتين لكنه زاد في الإحسان وجعلها ثلاثاً، وابتدأ بـ:

القلعة

أبني القلعة من حولي

أشيّدها حجرا حجرا

و أستنفر الجيوشَ لتبدأ الهجوم

وحدي

أستعدي شهية القتال في شجاعة الأعداء

أهيئ لهم كي يبدأوا شحذ الأسلحة

ويحسنوا التصويب

أبعث بكتب التحديات و أنتظر في القلعة

وحدي

كل موجة من الهجوم أسمّيها تفاحة الغواية

أمقتُ الأسلحة لا أحسنُ الحربَ ،

وليس لديّ جنودٌ ولا سُـعاة وحدي

كلما ارتدّت هجمةٌ أسعفتُ الجرحى

وبعثتُ بالأسرى مدججين بالهدايا

أرمِّمُ أسوارَ القلعة

أدْهَنُها ، و أزيَّنُها بالقناديل

كي ترشدَ الهجومَ التالي ،

فربما يحلو لهم أن يَبْغتُوا في الليل

فها أنا وحدي القلعة صامدة.

قل هو الحب

قُلْ هُوَ الحُبُ

هَوَاءٌ سَيِّدٌ، و زُجَاجٌ يَفْضَحُ الرُوحَ وتَرْتِيلُ يَمَامْ.

قُلْ هُوَ الحُبُ

ولا تُصْغِي لِغَيرِ القَلْبِ،

لا تَأخُذُكَ الغَفْلَةُ،

لا يَنْتابُكَ الخَوْفُ عَلى مَاءِ الكَلامْ.

قُلْ لَهُمْ فِي بُرْهَةٍ

بَينَ كِتابِ اللهِ والشَّهْوَةِ

تَنْسَابُ وَصَايَاكَ

ويَنْهالُ سَدِيمُ الخَلْقِ فِي نَارِ الخِيامْ.

قُلْ لَهُمْ،

فِيْمَا يَنَامُوْنَ عَلى أَحْلامِهمْ،

سَتَرى فِي نَرْجِسِ الصَحْراءِ

فِي تَرْنِيْمَةِ العُوْدِ وغَيمِ الشِعرِ سَرْدَاً وانْهِدَامْ.

قُلْ هُوَ الحُبُ

و مَا يَنْهارُ يَنْهارُ، فَمَا بَعْدَ العَرَارْ

غَيْرُ مَجْهُوْلِ الصَحَارَى وتَفاصِيلِ الفَرَارْ.

غَيرُ تَاجِ الرَمْلِ مَخْلُوْعَاً عَلى أَقْدَامِنَا،

والذِي يَبْقَى لَنَا تَقْرؤُهُ عَينُ الغُبَارْ.

والذِي لا يَنْتَهِي، لا يَنْتَهِي.

مثلَ سرّ الموتِ

والبَاقِي لَنَا مَحْضُ انْتِحَارْ.

خطاطون

يتناوب تسعة خطاطين على جسدي

بالقصب الطازج والآيات وحبر الجنة،

يهتاجون كتاج الهودج في العرس،

ويبتهجون،

ويفترعون عذاراهم في علانيةً.

خطاطون أصحاء،

ويختبرون صنوف الخط بعشقٍ مشحوذ الحرف.

أصابعهم تتوتر في غنـجٍ من فرط الحب،

ويخترقون اللحم،

يكزون على عاج الفضة،

يطفر زئبقهم مختلطاً بالصهد

على جسدٍ مرضوضٍ بالخيل وشطح الخط.

يطغون بكحل العين على فودي،

ويرشح خمر الوجد على أطراف محابرهم،

ولهم رقع ينضح ماء الشهوة فيها،

يتدلى نصف كلام الله على ثلثي طنافسهم،

يجلون الثلث الأسود

مثل سيوف الحق الواضح في جسدي.

يتهجون الكوفة والبصرة،

ينداحون كخمر الهودج،

يختارون الناضج من قصب التذكار،

ويغتصبون الأبكار من الكلمات.

عن الأمسية:

  • قدم ملتقى الفنار درعاً تذكارياً للشاعر.
  • رغم نخبوية الأمسية؛ اكتظت القاعة بالجمهور، واضطر المنظمون إلى زيادة عدد المقاعد.
  • الحضور النسائي كان وزاناً، ووصلت نسبة الحضور إلى الثلث.
  • جمهور الأمسية منوّع، وقد حضر بعضهم من العاصمة الرياض.
  • وقع الشاعر تحت محبة الجمهور، وحرص كثيرون على التقاط صور تذكارية معه.
  • حرص كثير من المؤلفين على إهداء الشاعر إصداراتهم.
  • تعامل الشاعر مع جمهور بحب، ولبّى طلباتهم في الاستزادة من الشعر.
  • كان الشاعر يعاني نزلة برد، ومع ذلك لم يعتذر عن الأمسية التي يُحضّر لها منذ قرابة شهر.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×