عاشوراء الخلود.. ضجيج عشق لاينتهي !

حليمة درويش

 

كل البدايات تحمل في طياتها الجمال والفرح إنها اللحظة التي ننطلق منها إلى القادم الذي نزرعه في حديقة أمنياتنا!

لكننا مختلفون ربما، نحن نبدأ العام الجديد وكل عام وحديقة الأمنيات داخلنا نرويها بماء مختلف إنه دموع العشق الحسيني وبها نطرق باب الغيب علنّا نسجل في أقدارنا وفي صحائف أعمالنا رحلة جهاد نختبر بها أنفسنا ونحاول جاهدين أن نستقي ونتزود بما نصلح به ذواتنا فيكون لنا معينا لعام جديد ينتظرنا.

وهكذا نبدأ العام بالسواد الذي تتشح به الأجساد قبل الأمكنة فتكون حالة الحداد حالة جماعية تكاد تتشابه بكل مشاهدها حرفيا وكأنك تمر بذات الشارع وإن اختلف موقعه الجغرافي في محافظة القطيف فصدقوني لافرق بين الأزقة والمضايف والروائح والأعلام وأقمشة السواد وعبارات العزاء. ولافرق في أصوات القراءات بتعدد اللهجات؛ كلها تختلط في ذاكرتك المشبعة بوجع كربلاء وألم كربلاء وعطش كربلاء والفقد الموجع بكربلاء!

إنها أيام عاشوراء حيث المصيبة التي دونها التاريخ على مر السنوات فما ذبلت ولا شاخت، بل تزداد عاما بعد عام شموخا ويقينا، وكأن الوجع يكبر كلما تقادم الزمان وكأن نهضة الحق والمبادئ هي ذاتها زاد المتمسكين بنهج الولاية الماضين بعشقهم نحو طوق النجاة، فترتفع الشعارات؛ لبيك ياحسين.. إنا منتظرون، ماتركناك ياحسين، وليس هذا وحسب فهناك الصوت الذي يهز وجدانك لمشهد تسترجع به صوت طفل رضيع يبكي والدماء بين كفي والده قاذفا بها نحو السماء وهناك من ينتظره بلهفة العطش الحارقة؛ أين الفاضل منه لنشربه؟

ولا إجابة، فلم يكن هناك في مشهد الحكاية إلا سهما مسموما بدل الماء!!

كل تلك الصور لاتخضع لعمر معين ولا لدرجة تعليم ولا لمناصب ولا لشيء سوى ذلك الحب الذي تجرعناه منذ الصغر فاختلط بحليب أمهاتنا ونمت به عظامنا واستوت به مداركنا!!

فتراهم في مجلس العزاء شيخا جليلا وعالما معروفا وشابا قد لاتعجبك طريقة لبسه أو حديثه لكنه حاضر بكل وجدانه يشاركك ماجئت من أجله وربما أكثر!

وهناك الصغار باختلاف مهاراتهم في التفنن بإظهار العشق فيوزعون المشروبات الساخنة ويرتبون أحذية المستمعين ببشاشة الفخر وشعور العظمة.

وللنساء من كل ذلك نصيب الذكور وأكثر فمجالس عزائهن لاتنتهي بل تكاد البيوت كلها لاتخلو من مجلس عزاء ينادي واحسيناه!

كيف لنا أن نستبيح في حرمة هذا الشهر ما يؤثر على روح التجلي في قلوبنا، فهذه الأيام هي أيام عزاء وحداد، فلا فرح يقام ولا تهاني تستقبل فإذا بحزن القلوب لمصيبته وماجرى على عياله أقوى من فقد ذويهم وأصدقائهم، بل إنهم يظنون يقينا بأنهم في ضيافة أبا عبدالله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

لاتنتهي لوحة عاشوراء بدون الصخب الثقافي والديني والاجتماعي والاقتصادي، بل إن هذه الأيام تكاد تكون أكبر تجمع للثقافة وتدارس العلم والتزود بمناهل التفقه والبحث التاريخي وغيرها، حسب التوجه والمسار الذي يعتمده خطيب كل منبر وما أكثر ذلك!!

ناهيك عن المعارض الفنية واللوحات التشكيلية والأعمال المسرحية والشعرية وغيرها.

وكل ما يحدث في عاشوراء القطيف يحدث في عاشوراء المناطق الشبيهة بها ومايحدث في العالم كله وإن اختلفت الطقوس أحيانا بين الشرق والغرب إلا أن النهج واحد والصوت واحد والقول واحد لأنها رسالة الإنسانية كافة باختلاف مذاهبهم وأجناسهم وأشكالهم.

وهاهو العالم يبدو بكل مسافاته وحجمه، بكل ليله ونهاره، يدور في فلك عظيم له ميزاته الخاصة وتفاصيله الدقيقة وطقوسه المتنوعة تشهد بأن ابن محمد وعلي وفاطمة لم يمت، وكيف للشهداء أن يذوقوا الموت وهم عند ربهم أحياء، وبأن البطولة لم تكن في مواجهة الموت بدون خوف صغارا وكبارا وشيوخا، بل إن البطولة هي في مواجهة الظلم وقول الحق والثبات عليه والمضي قدما على نهج السماء، نهج الإنسانية لكل الناس، النهج الذي أراده الله فكان الحسين بوابة العبور وطريق النجاة وسبيل الباحثين عن النور في دياجير الظلام.

 ياسيدنا ومولانا هبنا نظرة كريمة رحيمة نستكمل بها منك الكرامة!

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com