عن البرّ بالأمّ.. اسألوا هذا الخضّار البسيط…!

حبيب محمود

في طريق الذهاب؛ لمحت الصغيرة من السيارة مشهد امرأتين تدفعان بكرسي متحركٍ تجلس عليه امرأة متقدمة في السن. أوصلاها إلى جانب بائع خضار شابّ. كان مشهداً اعتياديّاً، لا شِيةَ فيه تُثير فضول أحد.

وفي طريق العودة؛ تحرَّك الفضول. كانت المرأة تجلس على كرسيّها بجانب المكان المظلّل الذي يستخدمه الشاب. التفتت الصغيرة إلى مشهد المرأة. كأنّ أمراً غير مفهوم، ويُثير الغرابة من وضع المرأة التي لم تكن مرافقتاها معها، كما كان الوضع عليه قبل أكثر من ساعتين..!

ملاحظة الصغيرة؛ حرّكت تعاطفاً خفيّاً تجاه وضع المرأة. الاحتمالات السوداء كثيرة في زمننا، صحيح إن مجتمعنا بخير، لكنّ ما يتسرّب من قضايا المجتمع، بين آونة وأخرى، فيه ما يدفع إلى تفقُّد حالةٍ كحالة المرأة المُسنّة.

من أقرب منفذ للدوران؛ قفلنا عائدين إلى حيث تجلس المرأة الكبيرة. حين وصلنا؛ كان مشهدها لافتاً فعلاً. ما الذي يُبقى امرأة في مثل سنها لأكثر من ساعتين في هذا المكان شبه المنعزل..؟

من الصعب سؤالها، ومن الصعب التخلّي عن المشهد.

كان الحلّ في سؤال الشاب بائع الخضار نفسه. وبشيء من التردد وطلب العَذر؛ سألتُه عن وضع المرأة الجالسة إلى جانب بضاعته.. المشهد غير مألوف ألبتّة. قد تحتاج إلى مساعدة، أو طلب عون من جهةٍ ما…!

قال: هي والدتي، مريضة، ولا أحد في المنزل، ولا يمكنني البقاء معها لحاجتي إلى طلب الرزق. فكان الحلّ أن تأتي إلى جانبي، أطمئنّ إلى حالها، وحين أنتهي نعود معاً إلى المنزل. لم يقل الشاب الكلام حرفيّاً، ولكن قال المعنى نفسه تماماً، دون تدخّل مني.

يا الله.. كم هو محظوظٌ هذا الشاب، وكم هي عظيمة هذه الأمّ.

بقدر ما خجلتُ من التوقُّعات السوداء التي سبقت سؤاله؛ شعرتُ بضآلةٍ هائلةٍ أمام هذا المستوى من البرّ. حملني الارتباك على أن أملأ سيارتي، فأشتري من بضاعته المعروضة في الشارع، لكنّ عقلي نبّهني إلى أن مثل هذا الشاب البارّ؛ سوف يعتبر شراءك منه، الآن بالذات، نوعاً من الإهانة المغلَّفة بالتعاطف.

هنّأتُه، واستأذنته في المغادرة، ولساني غير قادر إلا على رواية القصة لمن معي في السيارة.. عمّ الصمت، وبعضنا أحس بنشيجٍ ما.. وقليل من بلل العين.

‫3 تعليقات

  1. الله يعظم ثوابه ويرزقه من حيث لا يحتسب
    شكرًا ابومحمد فكتابتك اشارة ان في المجتمع ما زال الخير وفير

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×