المعلومات الخبيثة

محمد العيسى

كل شيء يزيد عن حدّه ينقلب إلى ضدّه. بعض المعلومات التي تنمو بزيادة عن الحاجة ويصبح نموها خارجاً عن نطاق الانضباط والسيطرة هي مثل الخلايا التي تتقسم بزيادة عن الحاجة وتخرج عن السيطرة فتصبح خبيثةً ومضرّةً جداً.

لا يستغني الإنسان عن النمو المعرفي وتجديد وتحديث وتنمية معلوماته، فبدون هذه المعلومات النامية والمتجدّدة والمُحدّثة يصاب الإنسان بالجهل ويفقد الحكمة ولا يستطيع أن يتخذ القرارات التي تقوده إلى النجاح والتطور في كل شؤون حياته، تماماً كما لا يستغني الجسد في كل أعضائه عن خلايا جديدة تعوّض الخلايا التي تموت باستمرار، فبدون هذا النمو والتجدّد لا تستطيع أعضاء الجسم أن تؤدي وظائفها الضرورية لاستمرار صحة الإنسان وحياته.

ولكن هذه الخلايا عندما تتكاثر في عضوِ ما من جسم الإنسان بطريقةٍ جنونيةٍ غير منضبطة فإنها تصبح أوراماً خبيثة وتقوم بعملٍ عكسيٍ ضار حيث قد تعطّل وظائف ذلك العضو أو الأعضاء المجاورة له وقد تستهلك غذاءه وتحرمه منه أو تسبّب الآلام المبرحة له. وأي ضررٍ أسوء من أن يقوم أي شيء بخلاف وعكس الوظيفة التي وُجِد من أجلها. تصوّر أن تحتاج لتخفيف سرعة سيارتك فتضغط على الفرامل فإذا بها تزيد من سرعتها.

المعلومات المتدفقة لذهن الإنسان تزيد من ذكائه ومن قدرته وكفاءته في الأداء بشرط أن تكون صحيحة ومناسبة من حيث الكم والكيف. ولكنّنا الآن في زمنِ صارت المعلومات تتدفق فيه على الإنسان بشكلٍ جنوني وعشوائي كمّاً وكيفاً، فانقلبت الآية وانعكست الوظيفة.

فبدلاً من أن تكون المعلومات سبباً في تعليم الإنسان صار الكثير منها (الإشاعات والمعلومات المضلّلة والخاطئة) سبباً في تجهيله. وبدلاً من أن تكون المعلومات سبباً في سعادته وهدوئه النفسي صار الكثير منها (أخبار الآخرين السعيدة المُلمّعة وأشكالهم المفلترة) سبباً في شقائه واضطرابه وقلقه. وبدلاً من أن تكون المعلومات سبباً في اختصاره للوقت والجهد صار الكثير منها (المعلومات والتفاصيل التي لا تهمه من قريب أو بعيد) سبباً في تضييع وقته وتبديد جهده وتركيزه. وبدلاً من أن تساعده المعلومات على ترشيد مصروفاته صار الكثيرُ منها (الدعايات والإعلانات التجارية) سبباً في تبذير أمواله. 

أنا الآن في منزلي في حي الأندلس في محافظة الأحساء وأشعر بالتعاسة لا لشيء إلا أنني رأيت قبل قليل لقطةً في السناب لشخصٍ غريب في سويسرا جالساً في شرفة تطل على الأنهار الجارية والجبال الخضراء تداعب وجهه نسماتٌ باردة، ولا أفتأ أشعر بالحزن والاكتئاب وأن الموت يحاصرني لأنه لا تكاد تمر عليَّ ساعةٌ من دون أن أتلقى خبر وفاة أحد أقارب أو معارف الآلاف من أصدقائي في الفيسبوك وكل أخبار الوفيات في مدن وقرى الأحساء وما حولها، وأنظر إلى المكتبة التي خلفي وأشعر بالحسرة على الكتب القيمة التي انتقيتها واشتريتها ولكنني لم أجد الوقت والصفاء الذهني لقراءتها بسبب تبديد وقتي كلّه في قراءة كل ما يرد على هاتفي من أخبار ومقالات متضاربة ومتشائمة ومتفرقة لا يجمعها وحدة موضوعٍ أو هدف، وأرى من حوالي بضائعَ وأجهزةً مكدّسة اشتريتها بطائل أموالي في لحظة انفعالٍ وحماسٍ أثارتها دعايةٌ عابرةٌ مغرية ولكنني لم ألمسها منذ احتفائي بفتحها من كراتينها بل أجد نفسي الآن محتاراً أين أخزّنها وماذا أصنع بها. وأشعر بالقلق على أطفالي لإدمانهم على جوالاتهم ومن تأثير مثل هذه المعلومات الخبيثة عليهم ولكنني أشعر بالعجز عن إنقاذهم وكيف أنقذهم منها وأنا لست أقل منهم إدماناً عليها وعجزاً عن السيطرة عليها والتخارج منها.

لا يمكن للإنسان النجاة في هذا العصر من أخطار هذه المعلومات الخبيثة إلا إذا أدرك هذه الحقيقة ووضعها نصب عينيه، ووضع استراتيجياتٍ وتكتيكاتٍ واضحة لتقنين كم وكيف المعلومات التي ترد إلى ذهنه، والتزم بتطبيقها بصرامة.

‫2 تعليقات

  1. نعم ..نحتاج لفلترة لما نقرأ و تقنينْ لما نطَّلِع عليه و فرز للمفيد من الضار و تنظيم لاوقاتنا لما نفعل وما لاَ نفعلْ ، مع ترتيب الأولويات مقابل الثانويات و للضروريات مقابل الكماليات.
    التقنين من الاطلاع على ما في الانترنت وما في الاخبار والبرامج التلفزيونية اصبح ضرورة ملحّة للصحة النفسية بل وحتى البدنية ، حيث بات لا يخفى على أغلبنا ان الادمان على متابعة الاجهزة له من العواقب التي لها اول وليس لها آخر ، كالاكتئاب والسمنة و السكر والضغط و خشونة المفاصل بالذات مفاصل الرقبة و الظهر وبقية امراض العصر التي تنتج عن قلة النشاط مع وفرة الأكل.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com