فقة الإقصاء.. هل عجزت المؤسسة الشيعية عن جواب ابن جلدتها..؟ المجتمع الذي لا يعرف إدارة المختلفين محكوم عليه بالفشل والتخلف

منتظر الشيخ

حياة الإنسان لا تقف عند حد، وقد أراد الله للإِنسان أن لا يكون حيوانًا اجتماعيًّا بالغريزة وحدها، وإنما أراد له أن يكون حيوانًا اجتماعيًّا بالغريزة والعقل، والعقل الإِنساني يرقى شيئًا فشيئًا، ورقيه نتيجة الحياة المادية وتعقُّدها وما ظهر فيها وما زال يظهر من الخصومات والتنافس على المنافع، والتهالك على إِرضاء الحاجات الإِنسانية التي لا تنقضي، وما دام الناس يشعرون بهذه الحاجات ويُدفعون بغرائزهم إِلى إِرضاء هذه الحاجات، وما دامت هذه الحاجات مختلفة أشد الاختلاف متنوعة أشد التنوع؛ منها ما يمس الثروة والاقتصاد، ومنها ما يمس السياسة والعلم و العقيدة، سيبقى الإنسان في دائرة التنافس، لهذا وجدت الخصومة، و وجدت الحرب.
و لا أحصر هنا الحرب تلك التي يخالطها عنف السلاح والدمار المادي، بل هناك حرب أخرى تجري في العقول، وتظهر وسط الكتب و الجرائد، تؤثر في النفوس و القلوب، وتأخذ النفس للفزع و الهلع، والشك والريبة، تسلب النوم، وتدفع للقلق، هي أشد عنفا على النفس من الضرب و التكسير و سيل الدماء.

إن الغوص في أعماق هذه الحروب الفكرية لايجب أن تكون الغاية منه الوصول إلى اليقين التام، و لا الحقيقة الكاملة، بل تجعل المرء دون هوية محددة، واحدة ثابتة، بل في شك دائم و متواصل، ترحال دائم للفكر، لا يجد وقتا للإستقرار الذي يدفع المرء للجمود و الخمود.

إن ترويض النفس على فهم أن الإختلاف سنة كونية، سيجلب الكثير من الراحة للإنسانية و للفكر، فالوجود لايشبه بعضه بعضاً، وأن أفكار الناس وفهمها للأمور مختلفة، ومتفاوتة، وأن معرفتهم غير متساوية، وفطرتهم متباينة، كتباين البيئات، و النشئة، وأن التوافق المطلق للكون أمر مستحيل، مخالفا للسنة الكونية، وأن الإختلاف حقيقة وديمومة مستمرة يجب أن يعيها الكل ويدركها الجميع.
إن عدم قبولنا لمبدأ الإختلاف يدفعنا نحو إقصاء كل ما لايتوافق معنا، يقتل كل فكرة جديدة، وطرد كل ماهو آخر، أو قتله أو حتى سحله، منتزعين كل إنسانيتنا في سبيل الحفاظ على الهوية التوافيقية، هوية لا تقبل التحديث، جامدة كجليد الشمال، أو كلون الصحراء.

إن الميول للنزعة الإقصائية، عبر التكفير، أو التخوين، قد يقتل الآخر، أو ينحيه عن الساحة، لكن ستبقى الفكرة موجودة، وستعيش يوماً، طالما هي فكرة، والحل لايكون في الإقصاء، بل في إدارة هذا الإختلاف، عبر احترامه ومحاورته، و إن المجتمع الذي لايعرف طريق إدارة المختلفين، مجتمع محكوم عليه بالفشل، والتخلف، و الإنهزام.
و لنا مثال واضح فيما يجري بين المؤسسات الدينية من خلاف واختلاف، يؤدي كثيرا منها إلى إقصاء الحلقة الأضعف التي خرجت عن صوت المجموع، رغم بقائها في نفس الدائرة، وفي يومنا الحالي هنا مثال صريح بالسيد كمال الحيدري، الذي طرح أفكاراً ليست بجديدة، لكنه أعاد تبنيها، أو صياغتها، أو كشفها، و النتيجة كانت بإقصاءه، وتهميشه، و حسب الكثير من الكلام، فرضت إقامة جبرية عليه في مسكنه، والجميع في صمت مطبق، لاتجد من الدائرة الشيعية، التي كانت تتظلم من محاولة الأنظمة التضييق عليها، واقصائها من قبل انظمنتها، لاتجد منها دفاعا عن حقه في طرح أفكاره ومحاضراته، بل تمارس نفس الدور الذي كانت تلك الأنظمة تشتكي منها على الحيدري.
بل إن المؤسسة الدينية الشيعية غير بريئة إطلاقاً من هذه الممارسة الإقصائية بحق الحيدري وغيره، فقد مارست بروبغاندا عنيفة لشيطنة الحيدري، وقبله فضل الله، حتى تصل إلى هذه النتيجة في التضييق عليه، ومحاولة قتله وهو حي يرزق.
و أتساءل إذا كانت الحوزة تمارس ذلك في أبناء دائرتها الدينية، فكيف تتعامل مع من هو خارج هذه الدائرة؟! لاسيما في الجغرافيا التي لها سلطة عليها.

إن إقصاء الحيدري بهذه الطريقة يفرض علينا (سؤال الأخلاق)، حول فقه الإقصاء الذي لانجده كباب صريح في رسائلها العملية، بينما قد نجده بين سطور أبواب متعددة، ومسائل كثيرة، تشرعن إقصاء كل ماهو آخر.

والسؤال: هل عجزت المؤسسة الدينية الشيعية عن جواب أسئلة إبن جلدتها الحيدري، وإذا كان الدين يكفل حق الإختلاف، والحوزة بريئة من إقصاء الحيدري، فماهو موقفها الأخلاقي من إقصاءه لأكثر من عام عن الساحة؟

‫8 تعليقات

  1. قد اصبت القوم يا منتظر.

    عندما كان الحيدري يناقش عقائد اهل السنة والجماعة ضمن آلية عرض الكتب والروايات امام المشاهد كان الجميع يصفق له ويمتدحه.

    وبمجر استخدم نفس آلية عرض الكتب في مناقشة عقائدنا الشيعية وعرض الكثير من الاستفهامات التي لم يجاب عنها حتى اليوم تم تسقيطه ومحاربته حتى وضع في الاقامة الجبرية وهذه حيلة الجاهل والعاجز عن الرد والطرح.

    والغريب عندما يأتي دكتور او كاتب يناقش الموضوعات الدينية يقال له هذا ليس ضمن تخصصك ولا يحق لك التدخل في غير تخصصك وعندما يأتي لهم عالم من بني جلدتهم ومن حوزاتهم لا يتوافق بحثه العلمي مع ما توارثوه عبر الاجيال دون نقد وتحقيق يتم اسقاطه وحجزه ومنعه من الدرس والتدريس.

    انهم بفعلهم هذا يحفرون قبور حوزاتهم بأيديهم دون وعي وادراك لان الفكر لا يواجه الا بالفكر واي أساليب اقصائية للباحثين والعلماء انما تأصل وجودهم في ذاكرة التاريخ وترفعهم الى آفاق المستقبل.

    وكل الجلادين وخصوصا من يختبئ خلف العباءة الدينية ويتوهم بانه لسان الله الناطق سيتعرى في مستقبل الأيام والله يمهل ولا يهمل وكما تدين تدان.

  2. كان السيد كمال الحيدري حفظه الله لمن كان ضد الغير لا مثيل له و بعد ذلك صار لا يفقه شي على رغم وجوده في الحوزة من اربعين سنة و دراسته على يد كبار العلماء دون شهادة له من المفسر و العارف الرباني الفيلسوف الشيخ الجوادي حفظه الله. السيد كمال اخطأ انه لم يراعي الدولة العميقة في الحوزة و ايضا على السيد التخفيف من الانتقاد لكبار علماء الطائفة

  3. سلمت يداك يا أخ منتظر
    كلي ثقة بأنك لن تتأثر بالتعليقات المثبطة

    فعلاً هناك قمع فكري لكل ما يخالف المشهور و هذا الأمر موجود في كل المجتمعات فهي طبيعة بشرية

    التغيير و التطوير يحمل عبئه أفراد قليلون يملكون الفكر و الشجاعة

    حفظك الله و وفقك يا منتظر

  4. السلام عليكم

    احسنت علي التاروتي

    حسب بحثي واطلاعي على موضوع السيد كمال الحيدري حفظه الله ، انه لم يقصى ولم يبعد بسبب مناقشاته واطروحاته ،
    انما تم ابعاده بسبب اتهامه لكافة المسلمين بتكفير بعضهم بعضاً ( المقطع موجود على اليوتيوب) ، وهذا غير صحيح وغير مقبول منه بلا دليل ( عمم كللللل المسلمين سنة وشيعة كل واحد فيهم يكفر الثاني) وهذا ان كان بقصد او بغير قصد فسيعمل فتنة كبيرة وخطيرة بين كافة المسلمين .

    لذلك تم ايقاف برنامجه
    وليس كما يدعي الكاتب

    تحرى وتتبع يا منتظر ولا تكتب لمجرد الاثارة حفظك الله

  5. لا أظن أحد يقبل بي إثارة الفتنة بين المسلمين ومعروف الكلام الذي قاله الحيدري على القناة العراقية والتعليق عندي طويل للغاية وأحاول أختصر في الكلام حول الحيدري وفضل الله وعلماء الشيعة لم يتركوا مسألة إلا وأجابو عنها أما الحيدري له مقاطع كيف هو يناقض نفسه ويرد على نفسه وللتفاصيل أكثر إرجعوا لمقاطع الحيدري في اليوتيوب لتعلمو هل تفكير الحيدري صح أو خطأ
    كيف النبي يأتي بالرسالة وهو لا يظن إنه على حق مالكم كيف تحكمون
    ولماذا أنا أستبد برأيي وأقصي الطرف الآخر لأنه لا يوافقني الرأي بل أتهجم على الطرف الآخر لأنه لا يوفقني الرأي
    ( هذه فقط نبذة من الكلام )

  6. موضوع جميل. فعلا السيد كمال الحيدري و بسبب اطروحاته المختلفة تم اقصائه و اسكاته. و السبب طبعا هو الفكر السلفي المتحجر عندنا. و مع ان كثير من الاطروحات التي يناقشها السيد الحيدري يتم تناولها داخل اروقة الحوزات الا انه من الممنوع طرحها امام عوام الناس أمثالنا . ولعل السبب هو عدم استيعاب عوام الناس من غير اهل الاختصاص لها.
    الاختلاف ظاهرة طبيعية و صحية لاي جماعة الا الجماعات المتشددة . و هذا ما يوجد عن بعض الاتجاهات المرجعية لدينا. ندعي التسامح والانفتاح و استيعاب المختلف, لكن اذ1ا تم طرح نقاط حساسة , يظهر الوجه المتصلب والعنيف .
    عموما شكرا على طرح الموضوع
    سلام

  7. لا بأس احترم فكرة الشذوذ الجنسي وتعايش معها وعلم أولادك على احترامها ولا سيما أنه قد تبنتها دول كثيرة ومتطورة! ولا ضرر في ذلك ما دام احتراما للفكرة لا تطبيقا لها!

    ثانيا- القرآن الكريم قد بين أن اتحاد الأفكار هو الأمر الصحيح (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم) فالذين يتفقون في الفكر هم المرحومون!
    وكذلك قد وصف الكفار بأوصاف “إقصائية” مثل: (إن هم إلا كالأنعام) وغيرها.. لكننا نأبى إلا الانصياع للمفاهيم الغربية!
    لكن هل هذا ينفي حرية الاجتهاد؟كلا.. اذا كان الاجتهاد في ضروريات الدين والمذهب فهو مرفوض قطعا، تخيل شخصا يصر على أنه مسيحي ويريد من المسيحيين تقبله مع أنه يناقش في إيمان النبي عيسى مثلا!
    وكذلك يرفض الاجتهاد ان كان في غير الضروريات لكنه لم يتبع الموازين العلمية أو اتخذ أسلوب السخرية والاستهزاء، وهذا الأمر متبع في الجامعات والعلوم التجريبية وغيرها، فهل ترى رسالة جامعية في علم الطب يناقش فيها لقاحات الكورونا بالأحلام أو القصص أو تعاليم راهب بوذية أو توصيات مهندس طيران أو يدرج فيها نكتا مضحكة؟
    وأما إن كان الاجتهاد في غير الضروريات وفق الأساليب العلمية فالكل يرحب به، وتحترم حينئذ جهود الباحث وأتعابه والكل يقدره.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com