آل شهاب يتذكّر: شركة كورية قدّمت للقطيف ما لم تقدمه شركاتٌ وطنية إنقاذ معلم معماري، وتنفيذ مجسمين.. أحدهما اختفى بعد سنوات

إي، سي، سي تركت بصمة طيبة بإتقان عملها ومسؤوليتها الاجتماعية

القطيف: صُبرة
من ذاكرة سنوات عمله الطويلة في بلدية المحافظة؛ استحضر عبدالله شهاب تجربة شركة كورية وفدت إلى بلادنا وأنجزت بعض المشاريع المهمة، ولم تُغادر إلا تاركة بصماتٍ طيبة، لم تترك مثلها شركات وطنية أُخرى. غاية هذا الاستحضار، حسب قوله لـ “صُبرة”، هي المقارنة المؤسفة مع شركات وطنية ارتبطت بمقاولات ومشاريع عالية الربحية، ومع ذلك ليس لها مثل هذا الأثر.
عمل عبدالله آل شهاب في بلدية محافظة القطيف منذ عام 1404، وتسلّم مواقع قيادية في بعض إداراتها المتعلقة بالجمهور، ثم تقاعد بعد قرابة 30 سنة. وخلال سنوات عمله؛ كان شاهداً على كثير من المشاريع والأعمال التي أنجزتها البلدية.

من اليمين: عبدالله شهاب، المهندسان ناصر الكعبور وشفيق السيف

حماية أثر معماري
يقول آل شهاب إن الشركة الكورية تركت ثلاث بصمات في مدينة القطيف، من مبدأ “المسؤولية الاجتماعية”. هذا المصطلح لم يكن شائعاً في منتصف الثمانينيات. مع ذلك ـ يرى آل شهاب ـ أن شركة “إي، سي، سي، طبقت هذا المفهوم الأخلاقي على أرض الواقع”، مجّاناً، على الرغم من أن مسؤوليتها التعاقدية لم تكن تتعدى “تنفيذ مشروع إستكمال شبكة الصرف الصحي بمدينة القطيف لصالح البلدية بعد تعثر المقاول الأول شركة أوتاك”. و “وقتذاك كانت خدمات الصرف الصحي ضمن مسؤوليات ومهام البلدية”، يقول آل شهاب.

المجسم تمّ تفكيكه من بناية آل سيف والزاير ووضعه في حديقة كأثر معماري

ويُضيف آل شهاب “هذه الشركة الكورية القادمة من دولة شيوعية والبعيدة كل البعد عن الإسلام وإيماناً منها بهذا المبدأ مارست المسؤلية الإجتماعية على أرض الواقع بمنتهى القناعة”. طلبت البلدية منها نقل قطع أثرية معمارية نادرة من واجهة بناية على وشك الهدم. البناية كانت مملوكة للحاج علي آل سيف (والد رئيس المجلس البلدي الحالي المهندس شفيق) وشريكه جواد رضي الزاير.

البناية التي فُكّكت القطع المعمارية منها، وقد كانت مقراً للشرطة.

كان المبنى مقرّاً للشرطة. ويروي آل شهاب عن المهندس شفيق قوله إنه طلب من والده وشريكه تأجيل الهدم حتى يتم تفكيك بعض القطع المعمارية من المبنى، ثم نقلها ووضعها في المكان الذي هي فيه الآن، الحديقة الواقعة في المثلث الفاصل بين شارعي القدس والجزيرة. تولى المهندس السيف تنسيق العمل والمتابعة مع البلدية والشركة الكورية، فيما تولى الفنان التشكيلي علي الصفار الإشراف الفني المباشر على أعمال الفك والقص والنقل والتركيب.

تولّى التشكيلي علي الصفار تصميم مجسم السفينة، والإشراف الفني على التنفيذ، تحت نظر البلدية التي كانت علاقتها بالفنّانين عميقة وذات أثر انعكس على بعض الطرق والميادين في المدينة.

 

مجسم السفينة
ويسرد آل شهاب قصة أخرى لصالح الشركة الكورية.. قصة تنفيذ مجسم “السفينة” الذي ما زال ماثلاً، كشاهدٍ حي على “المسؤولية الاجتماعية” لهذه الشركة. يقول آل شهاب “هذا المجسم من تصميم التشكيلي علي الصفار أيضاً.. وقتها كانت البلدية نشطة وعلى تواصل حيوي مع لجنة التنمية الإجتماعية والفنانين التشكيليين من أبناء المحافظة”. يضيف “المجسم مستوحى من تراث المحافظة يتكوّن سفينة حقيقية معلقة وسط حوض دائري الشكل يرمز إلى البحر، وفي الحوض نافورة، وتحيط بالحوض ممرات ومسطحات خضراء ومقاعد للجلوس. والمكان مزود بإنارة ليلية ملونة”.

ويقول “المشروع نفذته الشركة كاملاً بكل حرفية وإتقان وجودة عالية وتحت إشراف ومتابعة مهندسي البلدية والفنانين التشكيلين. وفي بداية تشغيل النافورة واجهت البلدية مشكلة ظريفة، هي أن الحوض صار مكاناً لسباحة الأولاد الصغار من سكان الحارات المجاورة لها، كحي الجراري وباب الشمال والمدارس والمدني والشريعة.. كان مثل عين ماء أو بركة.. أحبه الأطفال وسبحوا فيه كما يفعلون في العيون”.
يضيف آل شهاب “إن ما يؤسف له حقاً أن هذا المجسم الجميل والرائع الذي يجسد حقبة من حقب البلدية المهمة صار ضحية التحولات الإدارية في البلدية فتُرك يصارع الزمن حتى طالته عوامل الإهمال بسبب انعدام الصيانة والتشغيل الدورية التي لا غنى لأي مشروع عنها، إلى أن صار مكباً للنفايات والمهملات”.

مجسم السلال.. المفقود
ثالث المجسمات الجمالية التي ذكرها آل شهاب لشركة “آي، سي، سي” هو “مجسم السلال الذي يعد بحق تحفة فنية نادرة من حيث الفكرة والتصميم ودقة التنفيذ”. يُضيف “شيد المجسم في منتصف ساحة السرداق الملكية غرب متنزه القطيف قبالة عمارة المرزوق الواقعة بحي الحسين على شارع أحد”. يضيف آل شهاب “حدثني بشئ من التفصيل صاحب فكرة المجسم ومصممه والمشرف عليه الصديق العزيز المهندس زكي البريكي الذي تولى طرح الفكرة على الشركة وشرح أبعادها الفنية بحضور المرحوم حسن بن علي المرزوق رئيس بلدية القطيف آنذاك. وتولى المهندس البريكي إعداد المخططات الهندسية التفصيلية للمشروع والمتابعة والإشراف المباشر مع مهندسي الشركة فيما تكفلت الشركة الكورية بأعمال التنفيذ كاملة مع المواد.

مجسّم السلال؛ صمّمه المهندس زكي البريكي، وأشرف على تنفيذه، تنسيقاً بين البلدية والشركة الكورية

واستناداً إلى ذاكرته موظفاً في البلدية يقول آل شهاب “بقي المجسم شاخصاً حتى عام ١٤١٣هـ تقريباً. حينها قررت البلدية ـ بتوجيه من أمانة مدينة الدمام آنذاك (أمانة الشرقية حالياً) أستثمار الساحة التي يقع فيها المجسم وإنشاء مجمع تجاري مكانه. ومكانه هو موقع متجر سنتر بوينت حالياً”.
يعلّق آل شهاب “رغم أنه كان بالأمكان التوفيق بين الرغبتين، استثمار الموقع لتعزيز أيرادات البلدية، والمحافظة على المجسم، إلا أن ذلك لم يحدث للأسف”. يضيف “أزالت الجرافات ومعدات الهدم المجسم الجميل بطلب نفس الجهة التي طالما سعت إلى تشييده بعد أن ظل رمزا من رموز الجمال والإبداع لأكثر من أثنى عشر عاماً.

شتّان ما بين البصمتين
“غادرت الوطن شركة “إي، سي، سي” بعدما نفذت مشروع الصرف الصحي بجودة عالية وإتقان، وتركت لها ذكرى طيبة وبصمات واضحة لا زالت ماثلة أمامنا”؛ حسب آل شهاب.
يُضيف متعجباً “بينما رأينا العديد والكثير من الشركات والمؤسسات الوطنية التي نفذت مشاريع تفتقد الجودة والكفاءة، فضلاً عن تأخرها عن مواعيد إستلامها.. بل أن بعضها تركت خلفها دماراً وخراباً في طبقات السفلتة في الشوارع والأرصفة والمسطحات الخضراء، واضعة لها بصمة وذكرى من نوع آخر، كما فعلته إحدى شركات المياه و الصرف الصحي بشارع أُحد وشوارع حي الشاطئ وطريق الملك عبدالعزيز المار بمدينة عنك وسيهات”.
يُضيف آل شهاب “فشتان ما بين البصمتين“.

——-

تنويه: كتب الأستاذ آل شهاب عن الشركة الكورية “إي، سي، سي” في صفحته الشخصية، على موقع فيس بوك، ثم ناقشته “صُبرة” في الحلقات الثلاث التي نشرها حول الموضوع، وحصلت على إذنٍ منه بعرضها عرضاً صحافياً. والصور التي لم نحدد مصدرها في هذا التقرير منقولة عن صفحته الشخصية.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com