المدمن الذي أحب الحسين

جلال الناصر*

قبل سنوات وفي أقسام التنويم الداخلي لمرضى الادمان، أصر احد المدمنين على أعضاء الفريق العلاجي بالخروج من المستشفى. وذلك قبل ان يكمل المدة العلاجية المحددة. وهي ثمانية وعشرون يوما. وعندما أدرك بأن طلبه مرفوض، بل مستحيل نكس رأسة وكأنه طالب للتو تلقّى بنتيجة رسوبه. وقد اغرورقت عيناه بالدموع واذا به ينتحب قائلا : انا شيعي وبقي خمسة أيام على عاشوراء.

كنت اعرف جيدا ماالهدف من تلك الكلمة على عكس زميلي الطبيب وهو مصري الجنسية الذي علق قائلا: وايه يعني..؟ مافيش اي علاقة بين خروجك وبين انك شيعي.

بينما فهم الاختصاصي الاجتماعي مغزى المريض وعلق قائلا: يا بويه انت تقصد عشان محرم.. محرم بيجي كل سنة خلك في البرنامج وصحتك أهم.

واستنكرت حينها الفهم البسيط لزملائي فيما يخص تعلق الشيعة بمعتقداتهم. فالمعتقدات الانسانية تكون موروثة او مكتسبة ولكن الحديث عن تعلق الشيعة بمعتقداتهم مختلف تماما عن اي معتقد على مر التاريخ. وهنا جانب من ادلجة العقل الذي تحدث عنها (جوستاف لوبون) في كيفية ثبات واستمرار المعتقد. حيث ان الترسيخ يحدث بمجرد معرفة الانسان تاريخ الصراعات الذي مرت بها معتقداته. وبمعنى آخر عندما يدرك الشخص الذي يتبنى افكار المذهب الشيعي بقاء تلك المعتقدات لمئات السنين مقابل الصراعات الذي مرت بها. وهنا تحدث عملية الترسيخ في الشعور واللاشعور. وبالتالي يكون المنطق الديني (المذهبي) مكوناً اساسياً للمنطق العقلي.

وماهي الا ساعة واذا بالمريض يطرق باب مكتبي طالبا مني الوساطة. فسألني بفاطمة وبنيها وبالسر المستودع فيها. حينها سألته و ما علاقتك بالحسين وانت لا تفيق من نشوة الكحول؟!. و ما علاقتك بالحسين وانت تصنع وتبيع الكحول؟!

فراح يردد ابيات شعر يقول فيها:

سوف ابدي من فؤادي نبضتين

مذنب ولكني اهوى الحسين

وبدأ يتجول في حديقة رحبة ويقتطف أعذب الكلمات علها تجيب عن سؤالي.

لقد تأدلج ذلك المريض من جانب سلوكي فقط. و بقي الجانب المعرفي غارقاً في البحث عن إشباع الملذات ومعاقرة الخمر، موهماً نفسه بأن الحسين سوف يشفع له ويسقط ذنوبه.

في نهاية الامر حظي بفرصة الخروج على مسؤليه اخيه وحقق امنيته وحضر آخر عاشوراء في حياته.

الا انه لم يتعلم شيئاً من ذلك الحضور . وحقيقة الامر لم يقع الاشكال في كونه مدمناً وعشق الحسين. فمن يعمل في مجال الإرشاد والعلاج النفسي يشاهد شياطين عشقت الحسين وحسبهم المجتمع ملائكة.

* اختصاصي نفسي

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com