وجْهُ أُمِّي

عقيلة الربح

 

 

امرأةٌ ستينية بملامحها الهادئة وابتسامتها الجذابة، كأنَّها تتخذ من وراء الأفق شعاعًا. كلما التقيت بها أتذكر وجهها النوراني. هي من قامت بتجهيز وتكفين أمي في ذلك المكان الذي كان يعج بتلاوة القرآن الكريم وقراءة الأذكار. هي ذاتها من التقيتُ بها في المسجد عندما دبَّ الناس كدبيب النمل، بل أعمق! فكان ذاك الخروج الذي أثار الرعب في روحي.

أدركتُ عمق المأساة في ذلك المسجد الكبير؛ فالصمت يسود بين جدرانه. كنتُ وحيدةً أبحث عن الدفء .. عن الأمان، ولكن بلا جدوى!

دخلت المكان وإذا بي ألتفُّ بين أحضانها باكيةً، وكأن شخصَ أمي ماثلٌ أمامي .. متجسدٌ فيها!

خففتْ من جراحي وهمستْ في أذني: اهدئي بُنيتي ونامي، وربتت على كتفي!

ارتاحي في هذا المكان، فنمت على همسها.

رحل شخصها عن ناظري. غفت روحي المنهكة وصحوتُ على آثار أقدام من رحلوا.

قررتُ بعدها أن ألزم المكان وأتشبث بالأرض والوطن.

هنا داست قدماي .. وهنا تكورت .. وهنا عانقتُ السماء بلا حدود.

واجتمعنا مع من بقي من نجوم في هذه الأرض الطيبة، كل ليلة تعانق روحي أرواحهم في مشهد منقطع النظير من الألفة والمحبة والتآخي.

كنت أتمنى أن أراها، لكنها خرجت إلى حيث استقر الناس بهم.

بعد فترة وجيزة رأيتها فعانقتها، وروحي متعلقة بابتسامتها .. بنظرة الحزن في عينيها.

كل مرة أتذكر ذاك الموقف الرهيب بين الجدار. الجدار: حكاية حب لاتنتهي.

شكرًا لكل لمسة حب يبعثها الله لتندرج في أرواحنا وتعانق هذا الظل في بلدتي الطيبة.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com