في هجران الرضا قمة الشقاء

نادر الخاطر

 

“حينما يتعجًب الناس مني يلزمني أن أقول: عندما يُغلق باب للسعادة ينفتح آخر، في كثير من الأحيان ننظر طويلا الى الأبواب المغلقة بحيث لا نرى الأبواب التي فُتحت”

هذه المقولة لصاحبة الحياة المهيبة، الأمريكية ” هيلين كيلر”، المرأة التي ألهمت البشر الإجابة على سؤالهم المستمر: كيف تصنع حياتك وتعيشها سعيدا؟.

في الثانية من عمرها فقدت” هيلين كيلر” السمع والبصر، فقدت القدرة على الكلام أيضا؛ بسبب حمى القرمزية، أصبحت عبارة عن كتلة جسدية، لكنها ملتهبة بالطموح والكفاح، ترقّت بنحو أضاف لحياتها معنى، وأكسبها متعة العيش بسعادة غامرة.

واصلت هيلين تعليمها حتى أصبحت محاضرة بالجامعة، بعد أن حصلت على درجة الدكتواه في الفلسفة من جامعة هارفارد، أقوى جامعة في العالم الى يومنا هذا، تُرجمت مولفاتها البالغة 18 كتابا الى خمسين لغة، وكانت أفضل مَن حدّث الناس، وهي تلقي محاضرات في تسعة وثلاثون بلدا من ضمنها مصر، وهناك التقت بعميد الأدب العربي “طه حسين”.

حصلت هيلين على أرفع وسام مدني بالولايات المتحدة الأمريكية من الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون.

لم تكن حياة هيلين مليئة بالنجاحات فقط؛ بل كانت مليئة بالسعادة، وقد صرحت بذلك قائلة:” لقد استمتعت بحياتي، ونعِمت بجمالها”.

في الضفة الأخرى، ثمة من حصل على أقصى ما يطمع فيه إنسان من السلطة والمجد، لكنه لم يذق طعم السعادة، لأنه لم يعرف أولا معنى القناعة.

 غزا نابليون بونابورت معظم انحاء أوروبا أوائل القرن التاسع عشر، وعبر بجيشة للشرق، وعُرف كإمبراطور لكنه رغم ذلك شكا قلة السعادة في حياته وأثُر عنه: ” إنني لم اذق السعادة يوما”

ليس ثمة سعادة دون قناعة وإيمان راسخ بهذه القناعة، وهذا إيمان تَطَوع معه كل الظروف لصناعة سعادة الإنسان.

 تبدو السعادة دائما كساحرٍ يرضى بقرابين تستمد قداستها من رضا النفس، يتلأل جوهرها بالقناعة، هي شئ لن يلاحقك أو يأتيك إلا إذا سعيت تطلبه، كما أشار الهرم العلمي “ماسلو” حين صنّف القناعة خمس طبقات تبدأ من طبقة الحاجات الفسيولوجية، وتنتهي عند تحقيق الذات، تعبر فيها من مجرد باحث عن طعامه وشرابه وتأمين ممتلكات وعائلة، لتنفتح على صداقات مجتمعية، تنطلق بك الى رحابة الإنجازات واحترام الناس والآخر، فتبلغ قمة هرم تحقيق الذات والإبتكار.

السعداء هُمّ من كافحوا ولم يستسلموا للعقبات يسيرها وعسيرها، مثل “هيلين كيلر”. وللشاعر التونسي أبو القاسم الشابي قول مشهور محمود:

فما السعادة في الدنيا سوى حلمٍ ناءٍ تضحّى له أيامَها الأمم

فالذين ضحوا من أجل السعادة، أسسوا قواعدها من دواخلهم، فشمخ عاليها ما تبدّ لنا من النجاح الخارجي، وهكذا تؤسس قواعد البيوت المتينة، التي تقوى على تحمّل طبقات دون مخاطر، بنوا ذلك على محجّة من القناعة، لم يعرفوا الاستسلام ولا التوقف؛ بل واصلوا الكفاح والتطور.

 حين نصل ذروة الرّضا، نكون قد بلغنا ذروة سعادتنا، متنعمين في ديباج قناعتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×